التوسعة في القسم النبوي بين الأزواج: يروي الشيخان البخاري (رقم 4788)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٨٨ ومسلم (رقم 1464)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٦٤ عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول: أوتهب المرأة نفسها لرجل؟ فلما أنزل الله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ}، قلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك!".
تفسير الإرجاء والإيواء: يوضح الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 307)جامع البيانالطبري٢٠/٣٠٧ وابن كثير (ج 6، ص 426)مصدر غير محدد٦/٤٢٦ أن {تُرْجِي} أي تؤخر وتترك مضاجعة وقسم من تشاء من نسائك، وتؤوي (تضم وتقرب) إليك من تشاء منهن في المبيت والقسم، ومن طلبت وابتغيت ضمه ومبيته ممن كنت قد أخرتها وعزلتها فلا حرج عليك ولا ملامة؛ فأسقط الله عنه وجوب التسوية التامة في المبيت تخفيفاً عنه وتيسيراً لأعباء الدعوة، وكان صلى الله عليه وسلم مع هذه الرخصة المطلقة يسوي بينهن في القسم والمبيت تكرماً وإحساناً وحسن خلق، حتى كان يطاف به وهو مريض في بيت ميمونة ليموت في بيت عائشة بعد استئذانهن جميعاً رضي الله عنهن.
تفسير {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ}: يذكر القرطبي (ج 14، ص 211)مصدر غير محدد١٤/٢١١ أن المعنى: إن علمهن بأن هذا التقديم والتأخير حكم نزل من السماء ورخصة من الله، يجعلهن يرضين بقضاء الله ولا يحزن، وتطيب نفوسهن؛ لأن الإنسان يتقبل تصرف القائد برضا إذا علم أنه بحكم إلهي لا بمجرد ميل نفسي وهوى مجرد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{تُرْجِي}: الإرجاء هو التأخير؛ أرجيته أخرته، وقرئ بهمز (تُرْجِئُ) وهي لغة قريش وتميم.
{تُؤْوِي}: الإيواء هو الضم والتقريب إلى النفس والمسكن؛ أوى إليه لجأ وضمه.
{عَزَلْتَ}: العزل هو التنحية والتأخير عن موضع القرب.
{أَدْنَىٰ}: أقرب وأجدر بتحقيق المقصود.
{تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ}: قرة العين برودتها وسكونها وسرورها بالرضا، ضد سخونة دمع الحزن والغيرة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{تُرْجِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ}: (من) اسم موصول مفعول به، وجملة تشاء صلة، و(منهن) متعلق بحال.
{وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا}: تذييل، كان واسمها وخبرها الأول والثاني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام الرعاية النفسية لبيت النبوة: تكشف الآية عن دقة التوجيه القرآني لنفوس أمهات المؤمنين؛ فبعد أن منحه الله التفويض المطلق في تنظيم وقته ومبيته ليتفرغ لشؤون الأمة، نبهت الآية إلى الأثر النفسي لذلك: {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ}؛ فبيان أن الأمر بيد الله ورسوله يقطع منابت الحقد والغيرة والمطالبة الجافة، ويحل محله الرضا التام والسكينة.
التذييل بالعلم والحلم: ختمت بـ {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا}؛ عليم بما يعتري القلوب والنفوس النسائية من الغيرة الفطرية والحرص، حليم فلا يعاجل بالعقوبة بل يغفر ويسامح ما يقع من فلتات الغيرة غير المقصودة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مقولة عائشة رضي الله عنها: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك": يتصيد الملاحدة والمستشرقون هذه العبارة للطعن في مصدرية الوحي والزعم بأنه استجابة لرغبات النبي الشخصية.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
سياق المقال ومقصد عائشة رضي الله عنها: قالته السيدة عائشة في فورة الغيرة النسائية الفطرية المشروعة بين الضرائر؛ والغيرة طبع بشري لا ينفك عن النساء، ولم تكن تشك قيد أنملة في صدق نبوته ولا في مصدرية الوحي الرباني، بل قصدت مدح مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه وعظم محبة الله له وكرامته عنده؛ حيث يقضي الله له بما يريحه ويرفع الحرج عنه.
استعمال لفظ (الهوى) في لغة المتقدمين: الهوى في كلام السلف والمتقدمين يطلق على مجرد المحبة والرغبة المشروعة والرضا، وليس الهوى المذموم؛ كما في الحديث: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ»؛ فمعنى قولها: ما أرى ربك إلا يقضي لك بما تحب وترضى كرامة لك وتوسعة عليك.
النبي لم يستغل هذه الرخصة بل واصل العدل والإحسان: إن أعظم دليل عملي على تجرده صلى الله عليه وسلم أنه بعد نزول هذا التخيير والإطلاق المطلق لم يظلم واحدة منهن ولم يعزل أحداً، بل استمر يقسم لهن بالسوية المطلقة ويبيت عند كل واحدة في ليلتها حتى وفاته؛ فلو كان متبعاً لشهوة لاستغل الرخصة فوراً، ولكنه كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
البلاغة والبيان:
المطابقة والمقابلة الحركية: بين {تُرْجِي} (التأخير والإبعاد) و{تُؤْوِي} (التقريب والإدناء)، لبيان عموم التفويض الإلهي له في سائر التصرفات.
التأكيد التام بـ (كلهن): {وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ}؛ توكيد بعد توكيد لاستيعاب كل واحدة من أمهات المؤمنين في دائرة الرضا التام بقضاء الله ورسوله.
الالتفات إلى ضمير الخطاب الجماعي: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}؛ التفات مهيب يعم الرجال والنساء؛ للتذكير بمراقبة البواطن وما تنطوي عليه الصدور من الرضا أو الكراهية.
اللطائف التدبرية والإشارية:
رفق الشريعة بطبيعة المرأة وغريزتها؛ فالقرآن لم يعاقب أمهات المؤمنين على مشاعر الغيرة الفطرية بل عالجها بالتشريع وتطييب الخواطر وفتح باب الحلم الإلهي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
استيعاب الخلافات الأسرية والمشاعر الطبيعية برفق وحكمة؛ فإذا كان بيت النبوة قد عرضت فيه الغيرة النسائية ووسعها النبي صلى الله عليه وسلم بحلمه، فبيوت عامة المسلمين أولى بالحلم والتغافل.
ترسيخ أدب الرضا بأحكام الله وتشريعاته؛ فكل حكم قضى به الله هو عين المصلحة والخير لجميع الأطراف.
العمل والوجدان الإيماني:
الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في سمو خلقه وكرم عشرته لزوجاته؛ فقد كان خير الناس لأهله.
تطهير القلب من السخط على قضاء الله؛ واستشعار اسمه "العليم الحليم" الذي يعلم عجز النفوس فيعفو ويحلم.