وصف الأنبياء وحملة الرسالات بالتوحيد والخشية التامة: ينقل الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 280)جامع البيانالطبري٢٠/٢٨٠ وابن كثير (ج 6، ص 414)مصدر غير محدد٦/٤١٤ عن قتادة ومجاهد والضحاك، أن هذه الآية نعت وتزكية لأولئك الأنبياء والرسل المذكورين في الآية السابقة {الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ}، وعلى رأسهم خاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهم الذين يؤدون رسالات الله إلى أممهم كما أمرهم الله دون تحريف ولا كتمان، ويخافون الله وحده، ولا يرهبون سطوة الملوك والجبابرة، ولا يبالون باعتراض المعترضين واستهزاء المستهزئين.
تفسير الكفاية بالحسيب: يوضح القرطبي (ج 14، ص 185)مصدر غير محدد١٤/١٨٥ والسعدي (ص 666)مصدر غير محدد٦٦٦ أن قوله: {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا}: أي كفى بالله حافظاً لأعمالهم ومحاسباً عليها ومجازياً لهم عليها، وكفى به رقيباً وشاهداً وناصراً ومعيناً على تبليغ دينه، فلا يضرهم من خذلهم إذا كان الله حسبهم وحسيبهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يُبَلِّغُونَ}: التبليغ هو الإيصال التام للرسالة ببيانها وإيضاحها دون نقص.
{رِسَالَاتِ}: جمع رسالة، وهي التكاليف والأوامر والنواهي الإلهية المنزلة من عند الله لهداية الخلق.
{حَسِيبًا}: الحسيب هو الكافي (من الحسب)، والمحاسب الذي يحصي الأعمال بدقة متناهية ويجزي عليها.
الإعراب والتركيب النحوي:
{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ}: اسم موصول في محل جر نعت لـ (الذين خلوا من قبل)، أو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف تقديره (لهم أعظم الأجر)، أو منصوب على المدح بفعل محذوف، وجملة (يبلغون) صلة الموصول، والواو فاعل.
{رِسَالَاتِ اللَّهِ}: مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم، وهو مضاف واسم الجلالة مضاف إليه.
{وَيَخْشَوْنَهُ}: عطف على يبلغون، ومضارع مرفوع بثبوت النون، والهاء مفعول به.
{وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}: عطف، (لا) نافية، (يخشون) فعل وفاعل، و(أحداً) مفعول به منصوب، و(إلا) أداة استثناء، واسم الجلالة (اللهَ) بدل من أحداً منصوب أو مستثنى منصوب.
{وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا}: الواو استئنافية، (كفى) فعل ماض، والباء حرف جر زائد للتوكيد، واسم الجلالة فاعل مجرور لفظاً مرفوع محلاً، و(حسيباً) تمييز منصوب بالفتحة أو حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء المناعة الإيمانية في تبليغ الوحي: بعد أن ذكرت الآية السابقة أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب كان بأمر مفروض من الله، جاءت هذه الآية لتعلل ثباته صلى الله عليه وسلم ومضيه في هذا الأمر رغم طعن المنافقين؛ فصفة الأنبياء وحملة الوحي هي التبليغ المطلق وعدم خشية الناس مهما تكالبوا، فالله وحده هو المستحق للخشية والكفيل بالحفظ.
القصر والحصر في الخشية: قابل النظم بين إثبات الخشية لله أولاً {وَيَخْشَوْنَهُ}، ثم نفي خشية ما سواه بالاستثناء المحكم {وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}؛ لإثبات كمال التوحيد والتحرر من كل رق وخوف أرضي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض الظاهري مع قوله في الآية (37) {وَتَخْشَى النَّاسَ}: يقول بعض المشككين: كيف يثبت الله هنا أن الأنبياء {لَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}، في حين قال للنبي في الآية (37): {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ}؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
اختلاف نوع الخشية: الخشية المنفية في الآية (39) هي خشية التعطيل أو النكول عن تبليغ الرسالة؛ فالأنبياء معصومون من أن يتركوا تبليغ أمر إلهي أو حكماً شرعياً خوفاً من الناس؛ وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم كل ما أمر به كاملاً وزوج زينب وأعلن بطلان التبني جهراً.
أما الخشية المذكورة في الآية (37): فهي الحياء البشري والنفور الطبيعي من قالة السوء وألسنة المنافقين في أعراضهم، وهو طبع بشري فسيولوجي وعاطفي لا يقدح في كمال الإيمان؛ كخوف موسى من الحية، والوجل الطبيعي عند لقاء الأعداء.
إن عتاب الله لنبيه في الآية (37) رقى مقامه ليتطهر حتى من هذا الحياء الطبيعي؛ فكانت النتيجة هي تحققه الكامل بالوصف المذكور في الآية (39): {وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}، فانتفى التناقض وثبت كمال المقام.