سبب النزول وتأكيد المساواة في التكليف والجزاء: يروي الإمام أحمد في "المسند" (ج 6، ص 305)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبل٦/٣٠٥ والترمذي في "سننه" (رقم 3211)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢١١صحيح بإسناد صحيح عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: "يا رسول الله، يذكر الرجال في القرآن ولا نذكر؟"، وقيل: قالت أسماء بنت عميس لما رجعت من الحبشة لنساء النبي: "هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا، فأتت النبي فقالت: إن النساء في خيبة وخسار! قال: ولم ذاك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن في الخير كما يذكر الرجال"، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية العظيمة الجامعة: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ... أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}.
استيعاب الصفات العشر الكبرى: يوضح ابن كثير (ج 6، ص 410)مصدر غير محدد٦/٤١٠ والقرطبي (ج 14، ص 177)مصدر غير محدد١٤/١٧٧ أن هذه الآية جمعت أمهات الفضائل وركائز الدين العشر التي تتكامل بها الشخصية الإسلامية:
الإسلام: الاستسلام الظاهر بالشرائع والأركان.
الإيمان: التصديق الباطن الراسخ بأركان الغيب.
القنوت: دوام الطاعة والخشوع ولزوم الاستقامة.
الصدق: مطابقة القول والعمل للحق والميثاق.
الصبر: الثبات على الطاعات وعن المعاصي وعلى أقدار الله المؤلمة.
الخشوع: سكون القلب والجوارح إجلالاً لله ومخافة منه.
التصدق: بذل المال والخير للمحتاجين والإحسان للخلق.
الصيام: الإمساك التعبدي عن الشهوات لترويض النفس وتزكيتها.
حفظ الفروج: العفة التامة وصيانة الفرج عن الحرام والمقدمات.
ذكر الله كثيراً: مداومة اتصال القلب واللسان بالله في كل الأحوال.
تفسير المغفرة والأجر العظيم: يقرر السعدي (ص 664)مصدر غير محدد٦٦٤ أن المغفرة محو لجميع السيئات والذنوب ووقاية من عذاب النار، والأجر العظيم هو الجنة الخالدة بما فيها من نعيم مقيم لا ينفد، وكلاهما مهيأ ومعد بالتساوي التام بين الرجال والنساء المتصفين بهذه الأوصاف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
صيغ الجمع بالمذكر والمؤنث: استعمل النظم التقابل الصرفي المطرد بين جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم في كل وصف (عشرة أوصاف متقابلة = عشرون صيغة)، لإبراز عموم التكليف واستقلال الذمة الشرعية للمرأة.
{الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ}: حذف مفعول الذاكرات اختصاراً لدلالة الأول عليه؛ أي: والذاكرات الله كثيراً.
الإعراب والتركيب النحوي:
{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ}: (إن) حرف توكيد ونصب، (المسلمين) اسمها منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، و(المسلمات) معطوف منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
والأسماء الثمانية عشرة التالية كلها معطوفة على اسم إن منصوبة بالياء في جمع المذكر وبالكسرة في جمع المؤنث.
{وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ}: اسم فاعل عامل، و(فروجهم) مفعول به لاسم الفاعل منصوب بالفتحة وهو مضاف وهم مضاف إليه.
{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا}: اسم فاعل عامل، واسم الجلالة مفعول به منصوب، و(كثيراً) مفعول مطلق نائب عن المصدر أو ظرف.
{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}: جملة في محل رفع خبر إن؛ أعد فعل ماض واسم الجلالة فاعل، ولهم جار ومجرور متعلق بالفعل، و(مغفرة) مفعول به، و(أجراً) معطوف منصوب، و(عظيماً) نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعميم بعد التخصيص وترسيخ العدالة التامة: بعد أن خصصت الآيات السابقة الخطاب بنساء النبي صلى الله عليه وسلم لرفعة مقامهن (الآيات 28-34)، فتحت هذه الآية الباب على مصراعيه لنساء الأمة ورجالها جميعاً؛ لتقرر قاعدة كونية وتشريعية كبرى: أن أبواب القرب والكرامة الإلهية مفتوحة لكل مسلم ومسلمة، وأن مدار الفوز عند الله هو الاتصاف بهذه الصفات العشر لا الجنس ولا النسب ولا القرابة.
التدرج النفسي والسلوكي في ترتيب الصفات: رتب النظم الصفات العشر بترتيب تصاعدي غاية في الإعجاز:
بدأ بالإسلام (البوابة الظاهرة)، ثم ثنى بالإيمان (اليقين الباطن)، ثم القنوت (الاستمرار في الطاعة)، ثم الصدق (تزكية النفس)، ثم الصبر والخشوع (صقل الإرادة والقلب)، ثم بذل المال بالصدقة، وبذل الشهوة بالصيام، وعفة الفرج عن الحرام، وختم بالذكر الكثير (روح الأعمال وسقف المقامات العلية).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دونية المرأة في الإسلام وتفوق الرجل المطلق: يثير الطاعنون شبهات حول مكانة المرأة ويزعمون أن القرآن يخاطب الرجال فقط وأن المرأة كائن ملحق تابع لا استقلال له.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
التصريح المكرر بعشرة أوصاف للمرأة: هذه الآية نص قاطع محكم وصريح يسحق كل فرية؛ حيث كررت ذكر المرأة عشر مرات بصيغة التأنيث المستقلة جنباً إلى جنب مع الرجل في كل فضيلة دينية وأخلاقية، ورتبت الجزاء نفسه والمغفرة والأجر العظيم عليهما بالتساوي المطلق.
الاستقلال في الذمة الأخلاقية والروحية: أثبت الإسلام للمرأة كمال أهليتها التكليفية والجزائية؛ فكل إنسان يثاب على عمله ويعاقب على كسبه بقطع النظر عن ذكورته أو أنوثته: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}.
تمايز الأدوار الوظيفية لا ينفي تماثل الكرامة الإنسانية: فالتشريعات التي تختص بالرجال (كالنفقة، والجهاد، والقوامة) هي وظائف تنظيمية لتسيير سفينة الأسرة والمجتمع لا تقتضي أفضلية روحية عند الله؛ فالمعيار الأوحد للتفاضل في ميزان السماء هو التقوى والعمل الصالح المذكور في هذه الآية.
الإطناب بالتقابل الصرفي والتكرار المقصود: ذكر عشرين وصفاً مفصلاً يثير في النفس هيبة هذه الأوصاف ويغرس في وجدان المسلم رجلاً وامرأة الرغبة في تحصيلها صفة تلو صفة.
تخصيص الذكر بالكيد (كثيراً): الوصف الوحيد الذي قيد بالكثرة في الآية هو {الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ}؛ للدلالة على أن ذكر الله لا حد له ولا ينبغي للمؤمن أن يفتر عنه، وهو الوقود الذي يغذي الصفات التسع السابقة.
التنكير للتعظيم في المغفرة والأجر: {مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}؛ الجمع بين التخلية (مغفرة الذنوب وزوال التبعات) والتحلية (الأجر العظيم في الجنة).
اللطائف التدبرية والإشارية:
هذه الآية هي ميزان الشخصية المتكاملة؛ فمن أراد أن يقيس إيمانه فليعرض نفسه على هذه الصفات العشر، ولير أين موقعه منها ومن الإخلال ببعضها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
بناء المناهج التربوية للرجال والنساء على هذه المنظومة العشرية؛ فلا نركز على جانب العبادة المحضة ونهمل الصدق أو حفظ الفروج أو الصبر.
إبراز تكريم الإسلام الحقيقي للمرأة في الخطاب الدعوي المعاصر؛ والرد على الأطروحات الغربية التي تحصر تحرير المرأة في التمرد والتبرج.
العمل والوجدان الإيماني:
مجاهدة النفس يومياً لتحصيل نصيب من كل صفة: في الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق، والصبر، والخشوع، والصدقة، والصوم، والعفة، وكثرة الذكر.
ملازمة الأذكار النبوية في الصباح والمساء وأدبار الصلوات ليكتب العبد عند الله من {الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ}.