الجزاء الأخروي الحتمي بعد قيام الساعة: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 340)جامع البيانالطبري٢٠/٣٤٠ وابن كثير (ج 6، ص 449)مصدر غير محدد٦/٤٤٩ عن قتادة ومجاهد، أن الله تعالى لما ذكر قرب الساعة في الآية السابقة، بين في هذه الآية وما بعدها مصير هؤلاء الكافرين السائلين عنها تعنتاً؛ فأخبر أن الله لعنهم وطردهم وأبعدهم من كل رحمة في الدارين، وهيأ وأعد لهم ناراً مستعرة تتلظى وتهيج عليهم بالعذاب الأليم (وهي السعير).
تفسير السعير: يوضح القرطبي (ج 14، ص 252)مصدر غير محدد١٤/٢٥٢ أن "السعير" هو الجمر المتقد المتأجج والنار الشديدة الاشتعال؛ وسميت سعيراً لأنها تسعر وتهيج وتوقد على أجساد الكفار وقوداً دائماً لا يخبو.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{لَعَنَ}: اللعن الطرد الساحق من رحمة الله ومغفرته.
{الْكَافِرِينَ}: الجاحدين المكذبين بآيات الله ولقائه ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
{سَعِيرًا}: السعير فعيل بمعنى مفعول من سعّر النار إذا أوقدها وهيجها وزاد في اشتعالها؛ ونار سعير متأججة حامية.
الإعراب والتركيب النحوي:
{إِنَّ اللَّهَ}: (إن) حرف توكيد ونصب، واسم الجلالة اسمها.
{لَعَنَ الْكَافِرِينَ}: جملة في محل رفع خبر إن؛ لعن فعل ماض وفاعله مستتر، والكافرين مفعول به منصوب بالياء.
{وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا}: عطف على جملة لعن؛ أعد فعل وفاعل مستتر، ولهم متعلق بالفعل، و(سعيراً) مفعول به منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان المآل المرعب للمستهزئين: ترتبط الآية بما قبلها ارتباط النتيجة الحتمية؛ فهؤلاء الذين يستعجلون الساعة بالاستهزاء والسخرية ويسألون عنها مكذبين، يكشف النظم عن مصيرهم المعد لهم في تلك الساعة؛ وهو اللعنة الأبدية والنار السعير، ليتحول استهزاؤهم إلى صراخ وعذاب.
الجمع بين اللعنة المعنوية والعذاب الحسي: جمعت الآية بين الطرد من الرحمة (العذاب النفسي والمعنوي) {لَعَنَ الْكَافِرِينَ}، وبين الاحتراق بالنار الحامية (العذاب الجسدي الحسي) {سَعِيرًا}، ليكتمل عليهم الشقاء التام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قسوة العذاب بالنار الأبدية على كفر محدود في سنوات معدودة: يثير الفلاسفة والملاحدة شبهة عدم التناسب بين جريمة الكفر المحدودة في عمر الإنسان الزمني القصير وبين العذاب الخالد الأبدي في السعير.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الجزاء مبني على النية والعزم الباطن المستقر: الكافر لو عاش أبد الآبدين لعاش كافراً معانداً مصراً على محاربة خالقه؛ فنيته مؤبدة على الكفر؛ والجزاء إنما يرتبط بالنية والعزم القلبي: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}؛ فعوقبوا بالخلود لخلود نيتهم.
عظم الجناية بعظم الجناب المقابل: الجريمة لا تقاس بزمن ارتكابها بل بمقام من ارتكبت في حقه؛ فالطعن في رئيس أو ملك لدقيقة واحدة يوجب السجن المؤبد في قوانين البشر، فكيف بالتمرد والشرك والطعن في خالق الكون والملك القدوس الذي أسبغ على العبد نعمه ظاهرة وباطنة؟ إن جحوده أعظم الظلم: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
إنذارهم المسبق مع كمال العقل والحرية: الكفار دخلوا النار باختيارهم بعد أن أقيمت عليهم الحجج، وتنزلت عليهم الكتب، وبعث إليهم الرسل يحذرونهم من هذا المصير، فأصروا على طريق الهلاك؛ فكان مصيرهم عين العدل والحكمة الإلهية.