تصوير مشهد العذاب الحسي والتندم النفسي: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 342)جامع البيانالطبري٢٠/٣٤٢ وابن كثير (ج 6، ص 450)مصدر غير محدد٦/٤٥٠ عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، أن الله تعالى يصور في هذه الآية المشهد الحركي المروع لعذاب الكفار في نار جهنم؛ حيث تسحب أجسادهم وتقلب وجوههم في لهيب النار وسعيرها كما يقلب اللحم في التنور والمقلاة على الجمر الحامي؛ والوجه هو أشرف أعضاء الإنسان ومجمع حواسه وموطن كرامته، فتقليبه في النار إذلال وإهانة بالغة؛ فينطقون عند ذلك بالحسرة القاتلة والتمني المستحيل: {يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا}.
تفسير الندم بعد فوات الأوان: يوضح القرطبي (ج 14، ص 254)مصدر غير محدد١٤/٢٥٤ والسعدي (ص 673)مصدر غير محدد٦٧٣ أن هذا التندم صادر عن يقين حسي بالحقائق بعد المعاينة؛ ولكن هيهات أن ينفع الندم في دار الجزاء؛ فلو أطاعوا الله ورسوله في دار التكليف لكانت وجوههم ناضرة إلى ربها ناظرة، ولكنهم آثروا التمرد والتقليد الأعمى فكان مآلهم هذا الخزي الأليم.
إثبات الألف في (الرسولا): قرأ الجمهور من القراء السبعة بإثبات الألف في الوقف (الرَّسُولَا) على لغة أهل الحجاز، ورسمت في المصاحف العثمانية بالألف مراعاة للفواصل ورؤوس الآي وتناسباً مع (السبيلا) و(كبيرا).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{تُقَلَّبُ}: التقليب هو التحويل والتصريف من جهة إلى جهة وظهر لبطن؛ وتقليب الوجه في النار إصابة اللهيب لسائر أجزائه ومحاسنه.
{وُجُوهُهُمْ}: جمع وجه؛ وخص بالذكر لكونه أظهر الأعضاء ومجمع الجمال والكرامة الإنسانية، فإهانته أشد إهانة.
{يَا لَيْتَنَا}: حرف نداء والمنادى محذوف للتحسر والتلهف، و(ليت) حرف تمن يفيد طلب المستحيل ونا اسمها.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بـ (يقولون) أو بفعل محذوف تقديره (اذكر يوم).
{تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع، و(وجوههم) نائب فاعل مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه، وجملة تقلب في محل جر بالإضافة لـ (يوم).
{فِي النَّارِ}: متعلق بـ (تقلب).
{يَقُولُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، وجملة يقولون في محل نصب حال أو مستأنفة.
{يَا لَيْتَنَا}: (يا) للتنبيه أو التحسر، و(ليت) واسمها.
{أَطَعْنَا اللَّهَ}: جملة في محل رفع خبر ليت؛ وفعل وفاعل ومفعول به.
{وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا}: عطف على الجملة السابقة، وأثبتت الألف وصلاً أو وقفاً لمراعاة الفواصل والقراءات.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تجسيد الحسرة الأخروية في أروع لوحة قرآنية: بعد أن قررت الآية السابقة خلودهم بلا ولي ولا نصير، نقلت هذه الآية المشهد من التقرير المجرد إلى الصورة الحية المرئية المسموعة؛ فالسامع يرى الوجوه تتقلب في ألسنة اللهب، ويسمع زفرات الندم والحسرة بصرخة {يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا}؛ مما يوقظ القلب الغافل قبل فوات الأوان.
تكرار الفعل (أطعنا): لم يكتف بقوله "أطعنا الله ورسوله"، بل كرر الفعل: {أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا}؛ للدلالة على شدة تلهفهم واعترافهم بأن النجاة كانت تستلزم طاعة الله في كتابه وطاعة الرسول في سنته وهديه، وأن التمرد على السنة النبوية كان سبب هلاكهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يعاقب الوجه خاصة وهو لم يباشر المعصية كالجوارح الأخرى: قد يقول متسائل: لم ركز العذاب على تقليب الوجه؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الوجه مجمع الحواس والرأس القيادي للجسد: في الوجه تقع العينان (أداة النظر الحرام والغمز بالشهوة)، واللسان والشفتان (أداة الكفر والسب والإرجاف وسلق المؤمنين بالباطل)، والأنف (موطن الكبرياء والأنفة الزائفة)، والأذنان (أداة سماع الباطل)؛ فكان تقليب الوجه في النار عقاباً لمقر الجنايات الفكرية والحسية.
إذلال الاستكبار البشري: الإنسان المتكبر يرفع وجهه تيهاً واستعلاءً على الحق والفقراء والرسل؛ والعدالة الإلهية تقتضي إهانة هذا العضو المستكبر بنكوسه وتقليبه في اللهب والدركات.
حقيقة استيعاب العذاب لسائر البدن: تخصيص الوجه بالذكر لا ينفي عذاب سائر الجسد، بل نبه بأشرف الأعضاء على ما دونه؛ فإذا كان هذا حال الوجه فما ظنك بالأطراف وسائر الجسد؟