حرمة أعراض المؤمنين وتجريم الغيبة والبهتان: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 328)جامع البيانالطبري٢٠/٣٢٨ وابن كثير (ج 6، ص 445)مصدر غير محدد٦/٤٤٥ عن مجاهد وقتادة والزهري، أن الآية نزلت في المنافقين ومشركي مكة الذين كانوا يتتبعون عورات المؤمنين والمؤمنات، ويرمونهم بالباطل والعيوب التي هم منها براء، ويسعون بالنميمة والبهتان لتشويه سمعة الصحابة الأخيار (كرجمهم لعلي وعمار وعائشة وغيرهم من الصادقين).
الفرق النبوي بين الغيبة والبهتان: يروي الإمام مسلم في "صحيحه" (رقم 2584)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٨٤ وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ».
تفسير البهتان والإثم المبين: يوضح القرطبي (ج 14، ص 238)مصدر غير محدد١٤/٢٣٨ والسعدي (ص 671)مصدر غير محدد٦٧١ أن "البهتان" هو الكذب الصريح والافتراء العظيم الذي يبهت سامعه ويدهشه لشناعته وظلمه؛ و"الإثم المبين" هو الذنب الظاهر المكشوف الذي يستحق صاحبه أشد العقوبة عند الله تعالى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا}: الاكتساب هو عمل الذنب والجناية؛ أي بغير ذنب جنوه ولا جناية ارتكبوها توجب المؤاخذة واللوم.
{احْتَمَلُوا}: الاحتمال حمل الشيء الثقيل؛ واستعير لحمل أوزار الذنوب وتبعاتها الثقيلة يوم القيامة.
{بُهْتَانًا}: البهتان هو الباطل الذي يُبهت صاحبه ويحيره لعدم وجود أصل له.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج في حماية الحرمات من النبوة إلى الأمة: ما أعظم هذا التسلسل التشريعي الرصين؛ فحين بينت الآية السابقة (57) حرمة أذية الله ورسوله، أتبعتها هذه الآية (58) بحرمة أذية رعايا المجتمع المسلم ومواطنيه من المؤمنين والمؤمنات؛ ليعلم الناس أن دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم محرمة معصومة، وأن النيل من المؤمنين هو الخطوة التمهيدية التي يسلكها المرجفون للنيل من الرسول والرسالة.
التقييد العدلي المحكم بـ {بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا}: قيد استثنائي دقيق ينبه على أن من اكتسب جرماً أو حداً شرعياً فإن إقامة الحد عليه أو تعزيره أو نقده بالحق ليس من الأذية المحرمة في شيء، بل هو مقتضى العدل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دخول النقد المشروع والجرح والتعديل في الآية: يتساءل بعضهم: هل يدخل بيان عيوب الفساق وجرح رواة الحديث وتعديل الشهود والنصيحة في النكاح في هذا الوعيد الشديد؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
التحقيق في قيد {بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا}: يقرر أئمة الفقه والحديث (كالنووي وابن رجب وابن تيمية) أن الآية خصصت التحريم بمن أوذي "بغير ما اكتسب"، أما من أظهر الفسق والمجاهرة بالبدعة أو جُرح في رواية الحديث أو شوهد على منكر، فبيان حاله إنما هو "بما اكتسب"؛ لحماية الدين وحفظ السنة وصيانة حقوق الناس؛ فليس ببهتان ولا أذية محرمة بل هو نصيحة واجبة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
التفرقة بين النصيحة والتعيير والتشهير: النصيحة قصدها الإصلاح وحفظ الشريعة بالحكمة والستر؛ أما الأذية المنهي عنها فهي التشهير والافتراء واتباع العورات بدافع الحقد والانتقام الشخصي.
حماية الفضاء العام للمجتمع المسلم: الآية تؤسس لحماية السمعة والأعراض من الشائعات المغرضة التي يطلقها المنافقون لتمزيق النسيج الاجتماعي للمسلمين.
الاستعارة التمثيلية التجسيمية في (احتملوا): تجسيم للذنوب والبهتان كأنها صخور وأثقال قاصمة للظهور يحملها المفتري على كاهله يوم القيامة حتى تورده المهالك.
تنكير (بهتاناً وإثماً مبيناً): للتفخيم والتهويل والشناعة؛ لردع الألسن عن الخوض في أعراض الأبرياء.
العطف الصريح لـ (المؤمنات): لتأكيد حماية عرض المرأة المسلمة؛ لأن عرض المرأة أشد حساسية وأسرع تأثراً بالشائعات الباطلة.
اللطائف التدبرية والإشارية:
من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته وفضحه في جوف بيته؛ والمفلس الحقيقي يوم القيامة هو من يأتي بصلاة وصيام وقد بهت هذا وشتم هذا وسفك دم هذا فيؤخذ من حسناته حتى تفنى ثم يطرح في النار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
حراسة أعراض المسلمين في منصات الإعلام والتواصل المعاصرة؛ وتجريم اغتيال الشخصيات وبث الشائعات والأكاذيب والاتهامات الباطلة.
تربية المجتمع على التثبت وحسن الظن بالمؤمنين والمؤمنات؛ وامتثال قوله تعالى في سورة النور: {لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا}.
العمل والوجدان الإيماني:
كف اللسان والقلم عن الخوض في أعراض الصالحين؛ والتورع الشديد عند نقل الأخبار.
التحلل وطلب العفو ممن اغتبناه أو ظلمناه في الدنيا قبل ألا يكون دينار ولا درهم بل الحسنات والسيئات.