الثمرات العظمى المترتبة على التقوى والقول السديد: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 350)جامع البيانالطبري٢٠/٣٥٠ وابن كثير (ج 6، ص 452)مصدر غير محدد٦/٤٥٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، أن الله تعالى وعد من اتقاه وقال القول السديد بجزائين عظيمين في الدنيا والآخرة:
{وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}: يستر سيئاتكم وذنوبكم السالفة ويتجاوز عنها، ولا يعاقبكم عليها في الآخرة.
تفسير الفوز العظيم: يقرر القرطبي (ج 14، ص 259)مصدر غير محدد١٤/٢٥٩ والسعدي (ص 674)مصدر غير محدد٦٧٤ أن ختام الآية {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} قاعدة كلية جامعة لكل خير؛ فالفوز العظيم هو النجاة من سخط الله وعذاب جهنم، والظفر برضوانه وجنات النعيم ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يُصْلِحْ}: الصلاح ضد الفساد؛ وإصلاح العمل توفيقه ليكون صواباً خالصاً مقبولاً، وإصلاح الحال هدايته وبركته.
{يَغْفِرْ}: المغفرة هي الستر والتغطية مع الوقاية من أثر الذنب وعقوبته.
{فَازَ}: الفوز هو الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب؛ وأصله النجاة من الهلكة إلى السلامة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يُصْلِحْ}: مضارع مجزوم في جواب الطلب (اتقوا وقولوا) وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر يعود على الله.
{وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}: معطوف مجزوم، وفعل وفاعل ومفعول به.
{وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}: الواو استئنافية، (من) اسم شرط جازم مبتدأ، (يطع) فعل الشرط مجزوم بالسكون وحرك بالكسر للساكنين، والفاعل مستتر، واسم الجلالة مفعول به، ورسوله معطوف.
{فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}: الفاء رابطة للجواب، (قد) تحقيق، و(فاز) فعل ماض والفاعل مستتر، والجملة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ، و(فوزاً) مفعول مطلق منصوب، و(عظيماً) نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترتيب الثمرات على الأسباب (معادلة الفلاح): تناسق النظم هنا في غاية الجمال والإحكام؛ حيث رتب الجزاء على الشرط والطلب:
السبب البشري: تقوى الله + قول سديد (آية 70).
الثمرة الإلهية: صلاح الأعمال + غفران الذنوب (آية 71).
النتيجة النهائية الجامعة: الفوز العظيم بطاعة الله ورسوله.
المزاوجة بين التحلية والتخلية: قدم {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} (وهو التوفيق للخير والتزكية)، ثم أتبعه بـ {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (وهو التطهير من الآثام)؛ ليجتمع للعبد كمال النقاء والارتقاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أن مجرد القول السديد لا يكفي لإصلاح الأعمال كلها: قد يسأل سائل: كيف يجعل الله القول السديد سبباً لإصلاح سائر الأعمال ومغفرة الذنوب، مع أن هناك صلاة وصياماً وجهاداً؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
اللسان ترجمان القلب وقائد الجوارح: كما ثبت في الحديث الصحيح عند الترمذي: «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ (تخضع له) فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا»؛ فاستقامة اللسان بالقول السديد مظهر لاستقامة القلب، وإذا صلح القلب واستقام اللسان تبعتهما سائر الجوارح بالصلاح تلقائياً.
الجزاء بالفضل ومضاعفة الأجر: وعد الله الكريم بأن من جاهد نفسه في أصعب الجوارح ضبطاً (وهو اللسان) وألزمه بالصدق والذكر والقول السديد، كافأه الله بإصلاح سائر أعماله وتيسير الطاعات له وتكفير سيئاته.
التعميم في ختام الآية: أتبع ذلك بالقاعدة الكلية: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}؛ ليدل على أن القول السديد جزء من منظومة الطاعة العامة التامة.