سبب النزول واستثناء المحارم من الحجاب: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 320)جامع البيانالطبري٢٠/٣٢٠ وابن كثير (ج 6، ص 435)مصدر غير محدد٦/٤٣٥ عن ابن عباس والزهري وقتادة، أن الله تعالى لما أنزل آية الحجاب الصارمة في الآية (53): {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ}، قال الآباء والأبناء والإخوة والأقارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، ونحن أيضاً نكلمهن من وراء حجاب؟"، فأنزل الله تعالى هذه الآية بياناً للرخصة ورفعاً للحرج والمشقة عن المحارم ذوي النسب الخاص والصلة القرابية اللصيقة، واستثنت الآية سبعة أصناف لا يلزم الحجاب بينهم وبين النساء:
الآباء (ويشمل الأجداد وإن علوا).
الأبناء (ويشمل أبناء الأبناء وإن نزلوا).
الإخوة (أشقاء أو لأب أو لأم).
أبناء الإخوة.
أبناء الأخوات.
نساؤهن (النساء المسلمات الصالحات).
ما ملكت أيمانهن (من الإماء والجواري، وقيل: العبيد الخدم غير أولي الإربة).
التحذير والتذكير بالتقوى: يوضح القرطبي (ج 14، ص 233)مصدر غير محدد١٤/٢٣٣ والسعدي (ص 670)مصدر غير محدد٦٧٠ أن ختام الآية {وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} تنبيه لأمهات المؤمنين وسائر النساء إلى أن رفع الحجاب أمام هؤلاء المحارم مشروط بملازمة التقوى والعفة والستر المعتاد، فلا يُفرط في إظهار ما لا يحل إظهاره للمحارم، لأن الله شهيد رقيب مطلع على كل تصرف وهيئة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{جُنَاحَ}: الجُناح هو الإثم والذنب والمؤاخذة؛ وأصله الميل عن القصد.
{نِسَائِهِنَّ}: إضافة النساء إليهن إما إضافة جنسية دينية (أي النساء المسلمات)، وإما إضافة اختصاص (أي نسائهن اللاتي يختلطن بهن).
{شَهِيدًا}: الشهيد هو الحاضر الذي لا يغيب عنه شيء، والمطلع على الظواهر والسرائر.
الإعراب والتركيب النحوي:
{لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ}: (لا) نافية للجنس، (جناح) اسمها مبني على الفتح، والجار والمجرور (عليهن) خبرها.
{فِي آبَائِهِنَّ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال أو بنفي الجناح، أي لا جناح عليهن في ترك الحجاب عن آبائهن.
{وَاتَّقِينَ اللَّهَ}: الواو استئنافية، فعل أمر مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والنون فاعل، واسم الجلالة مفعول به منصوب.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا}: تعليل، إن واسمها، وكان واسمها ضمير مستتر، والجار والمجرور متعلق بشهيداً، و(شهيداً) خبر كان منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال التشريع برفع المشقة ودفع العنت: النظم القرآني يجمع بين العزيمة الصارمة والرخصة المنصفة؛ فحين شدد في الحجاب أمام الأجانب صيانة للعفة، رفع المشقة فوراً عن دائرة المحارم اللصيقة التي يتكرر دخولها ويكثر اختلاطها؛ فالإسلام دين الفطرة واليسر يوازن بين المقاصد والوسائل.
إحكام الرقابة بالشهادة الإلهية: ختمت الآية بأمر التقوى {وَاتَّقِينَ اللَّهَ} والتذكير بشهود الله {شَهِيدًا}؛ لبيان أن إباحة كشف الوجه والرأس أمام المحارم ليست إذناً بالتبذل أو التهاون، بل يجب أن تظل مضبوطة بالوقار والحشمة الإيمانية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة عدم ذكر العم والخال في الآية الكريمة: يسأل بعضهم: كيف لم تذكر الآية الأعمام والأخوال وهم محارم بالإجماع كالإخوة والآباء بنص سورة النور (آية 31)؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الاكتفاء بدلالة أبناء الإخوة والأخوات: ذكر أبناء الإخوة وأبناء الأخوات يتضمن حكماً العمومة والخؤولة؛ لأن الإنسان إذا كان محرماً لابن أخيه وابن أخته فهو عم وخال؛ فالمحرمية متقابلة ومتكافئة لغة وشرعاً.
تعليل بعض السلف بالحذر من وصف الزوجات: ذكر ابن العربي والقرطبي عن الشعبي وعكرمة أن العم والخال لم يذكرا هنا لئلا يصفا نساء النبي لأبنائهما (لأن أبناء الأعمام والأخوال أجانب يحل لهم النكاح)، ثم استقر الإجماع القطعي على أن العم والخال من المحارم الذين يدخلون في حكم هذه الآية بنص سورة النور.
وحدة التشريع القرآني: نصوص القرآن يفسر بعضها بعضاً؛ فما أجمل في موضع فُصل في موضع آخر؛ ولا تناقض قط في أحكام الحجاب بين سورتي النور والأحزاب.
الإطناب بذكر المحارم تفصيلاً: لقطع كل شبهة وتوضيح الحدود الشرعية بدقة ترفع الحرج عن كل قريب وتمنع أي التباس.
الالتفات بالخطاب المباشر إلى نون النسوة: {وَاتَّقِينَ اللَّهَ}؛ لإيقاظ الهمم والتأكيد على مسؤوليتهن الذاتية عن حراسة العفاف والحشمة.
التذييل باسمه (شهيداً): أبلغ تحذير وتثبيت؛ فالشهيد يرى ويسمع ويشهد على أدق التصرفات العفوية في داخل البيوت.
اللطائف التدبرية والإشارية:
المحرمية نعمة وأمان؛ شرعها الله لتيسير التكافل والتواصل الأسري الطاهر في المجتمع، وجعل التقوى رقيباً يحرس هذه العلاقات من أي انزلاق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
ضبط لباس المرأة المسلمة أمام محارمها؛ فلا يجوز لها التبذل ولبس الملابس العارية أو الضيقة الفاضحة بحجة أنهم محارم، بل تستر ما زاد عن مواضع الزينة المعتادة (كالرأس والذراعين والساقين).
توعية الأسر المسلمة بحدود المحرمية والتفريق الدقيق بين المحارم (كالأب والأخ والعم والخال) وغير المحارم (كابن العم وابن الخال وزوج الأخت وأخي الزوج) الذين يجب الحجاب أمامهم بلا تساهل.
العمل والوجدان الإيماني:
التزام التقوى ومراقبة الله "الشهيد" في المعاملات العائلية والأسرية داخل البيوت.
صيانة البيوت من الاختلاط غير المنضبط صيانة للمحارم ولأعراض المسلمين.