سياق النزول والوقائع التاريخية: نزلت هذه الآية الكريمة تذكيراً للمؤمنين بوقعة الخندق (غزوة الأحزاب) في شوال من السنة الخامسة للهجرة. يروي الإمام الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 204)جامع البيانالطبري٢٠/٢٠٤ بسنده عن عروة بن الزبير ومجاهد وقتادة، أن الأحزاب اجتمعوا واستجاشهم حيي بن أخطب النضري مع قريش وغطفان وبني سليم وقبائل نجد وأهل تهامة، وواطأتهم يهود بني قريظة ونقضوا عهدهم، فكانوا زهاء عشرة آلاف مقاتل، بينما كان المسلمون ثلاثة آلاف محصورين بالمدينة يطوفون بالخندق الذي حفره النبي صلى الله عليه وسلم بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه.
إرسال الريح والجنود الغيبية: يذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 384)مصدر غير محدد٦/٣٨٤ في بيان قوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا}: أنها ريح الصبا (الشرقية)، ويستشهد بالحديث الصحيح المخرج في "صحيح البخاري" (رقم 1035)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ١٠٣٥ و"صحيح مسلم" (رقم 900)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٩٠٠ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ». وأما {وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} فهم الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى لزلزلة معسكر المشركين وإلقاء الرعب والخذلان في أفئدتهم، دون أن يباشروا القتال بالسيف كما في بدر، بل لتثبيت القلوب وإسقاط خيامهم وقدورهم بالريح العاصف.
تفسير القرطبي وابن عاشور: يقرر القرطبي (ج 14، ص 138)مصدر غير محدد١٤/١٣٨ أن التذكير بالنعمة واجب شرعي عند اندفاع الكرب العظيم ليرتبط الوجدان بالله، وينبه ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (ج 21، ص 264)التحرير والتنويرابن عاشور٢١/٢٦٤ إلى أن الالتفات من الغيبة في خطاب التشريع إلى خطاب المؤمنين المباشر بـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} مقصوده استنهاض شكر النعمة وتثبيت حقيقة أن النصر المطلق مرجعه إلى القدرة الإلهية وحدها حين تنقطع الأسباب المادية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{جُنُودٌ}: جمع جند، وهو العسكر أو التجمع المحارب المعد للغلبة، وجاء منكراً لتهويل كثرتهم وتعددهم من قبائل شتى (قريش، غطفان، فزارة، أشجع، بنو مرة، بنو سليم، بنو قريظة).
{رِيحًا}: الريح العاصف الشديدة الباردة في ليلة شاتية مظلمة، وميز القرآن بين "الريح" التي ترد غالباً في سياق العذاب والابتلاء و"الرياح" المبشرات بالرحمة.
{بَصِيرًا}: صيغة مبالغة على وزن (فَعِيل)، أي محيطاً بأعمال المؤمنين في حفر الخندق وربط الحجارة على البطون وثباتهم، وبأعمال المنافقين في التخذيل.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: (يا) أداة نداء، (أي) منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب، و(ها) للتنبيه، (الذين) اسم موصول في محل نعت لـ (أي) أو بدل، وجملة (آمنوا) صلة الموصول.
{اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، و(نعمة) مفعول به منصوب، وهو مضاف واسم الجلالة مضاف إليه.
{إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ}: (إذ) ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره "اذكروا وقت" أو هو بدل اشتمال من (نعمة الله) لأن النعمة تجلت في ذلك الوقت. وجملة (جاءتكم) في محل جر مضاف إليه.
{وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}: جملة مستأنفة، (كان) فعل ماض ناقص، واسم الجلالة اسمها، و(بصيراً) خبرها، والجار والمجرور متعلقان بـ (بصيراً)، وما موصولة أو مصدرية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية واتصالها بما قبلها: بعد أن استهلت السورة بتأصيل مبدأ التقوى والتوكل وإبطال أدعياء الجاهلية، انتقل النظم إلى استحضار أعظم تطبيق عملي لمعنى {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} في واقع الأمة التاريخي، وهو حصار الأحزاب. فالكفاية التي أمر بها النبي في مطلع السورة تتجلى هنا حية في حفظ الكيان الإسلامي الناشئ حين اجتمعت عليه قوى الجزيرة العربية مجتمعة بهدف استئصال شأفته.
التناسب والتدرج البياني: تبدأ الوقائع بالتذكير بالنعمة الكلية {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} تمهيداً لبيان هول الحادث في الآيات اللاحقة، ليقع التذكير بالإنعام في موضع الامتنان واليقين، حيث ربط النصر بالأسباب الغيبية الخالصة {رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} للتأكيد على أن الثبات البشري شرط لاستنزال المدد الرباني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفسير المادي المحض للظواهر الكونية: يزعم الماديون أن انتهاء حصار الأحزاب كان مجرد تغير مناخي طبيعي برياح موسمية باردة شتتت الخيام، ولا مدخل للتدخل الغيبي أو النصر الإلهي.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
إن توقيت هبوب الريح العاصف الصرصر في الليلة ذاتها التي بلغ فيها كرب المؤمنين مداه، واستهدافها لمعسكر المشركين دون سائر النواحي، بحيث أطفأت نيرانهم، وقلعت خيامهم، وأكفأت قدورهم، في حين كان معسكر المسلمين صابراً، لا يمكن عقلاً أن يكون مجرد مصادفة فلكية عمياء.
إن السنن الكونية خاضعة لمسبب الأسباب وخالقها، فالله الذي أنشأ الريح هو الذي وجهها زمناً ومكاناً وسرعة وقوة لتكون جنداً مسخراً؛ ولهذا قال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ} بإسناد الفعل إلى ضمير العظمة، مما يبرهن أن السنن الفيزيائية أدوات طيعة للمشيئة الإلهية الحكيمة.
يضاف إلى الريح البعد النفسي والرعب الذي ألقته الجنود الغيبية {وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا}، حيث تخلخلت الثقة بين المشركين وبني قريظة، ووقع التخاذل في نفوس القادة (كأبي سفيان وطليحة)، والرعب أمر نفسي لا تفسره الرياح الجوية وحدها، بل هو جند غيبي قاهر.
التنكير للتعظيم والتهويل: تنكير {جُنُودٌ} و{رِيحًا} و{جُنُودًا}، فالأول لتهويل كثرة الأعداء، والثاني لتعظيم قوة الريح وبأسها، والثالث لتفخيم شأن الملائكة الأبرار الذين لا طاقة للبشر بمواجهتهم.
التذييل المقسط: ختام الآية بـ {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}، حيث قدم الجار والمجرور للاختصاص والعناية، وفي قراءة يعقوب {بِمَا يَعْمَلُونَ} بالغيبة، فالبصر الإلهي يشمل مشقة المؤمنين وتآمر المنافقين وحيل المحاربين.
اللطائف التدبرية والإشارية:
لم يُهلك الله الأحزاب بخسف أو صاعقة كالأمم البائدة، بل بريح ألجأتهم للرحيل خائبين، ليبقى المؤمنون في مقام التكليف والمجاهدة، وليتحقق قوله صلى الله عليه وسلم عقب رحيلهم: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا»، فانقلبت موازين القوى الاستراتيجية إلى الأبد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
استحضار نعم الله السالفة دواء ناجع للأزمات الحاضرة؛ فكلما ضاقت سبل المادة على المصلحين، وجب عليهم مراجعة سجل النصر الإلهي ليتجدد الأمل وتثبت الأقدام.
المعركة بين الحق والباطل لا تحسم بالحسابات الرقمية المجردة؛ فالمسلم يعد المستطاع من الأسباب ثم يفوض أمره لربه الذي يملك جنود السماوات والأرض.
العمل والوجدان الإيماني:
غرس اليقين بأن لله جنوداً لا تخطر على قلب بشر، فقد ينصر دينه بفيروس، أو ريح، أو رعب، أو خلاف بين الأعداء، والمطلوب من المؤمن فقط هو الإخلاص والثبات.
محاسبة النفس بمقتضى خاتمة الآية {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}، فيستشعر المرء أن الله يبصر معاناته وجهده في الدفاع عن الحق، فلا يضيع عنده عمل عامل.