تفسير الدعوة إلى الله بإذنه: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 295)جامع البيانالطبري٢٠/٢٩٥ وابن كثير (ج 6، ص 420)مصدر غير محدد٦/٤٢٠ عن قتادة ومجاهد، أن قوله تعالى: {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ}: أي يدعو الخلق قاطبة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة وطاعة أمره وشريعته؛ وقوله {بِإِذْنِهِ} أي بأمره وتوفيقه وتيسيره ومعونته وتأييده؛ فلا يدعو من تلقاء نفسه، بل بوحي منزل وأمر جازم من ربه.
تفسير السراج المنير: يوضح القرطبي (ج 14، ص 195)مصدر غير محدد١٤/١٩٥ والسعدي (ص 667)مصدر غير محدد٦٦٧ أن الله سمى نبيه {سِرَاجًا مُّنِيرًا}؛ لأن السراج هو المصباح الزاهر المتوقد الذي يضيء الظلمات ويبدد حلكة الليل، والنبي صلى الله عليه وسلم أضاء الله به ظلمات الجهل والشرك والضلالة، فاستنارت به القلوب وفتحت به البصائر، ورأى به الناس طريق الحق إلى الجنة عياناً؛ ووصفه بالمنير للتأكيد على إشراقه الذاتي وإضاءته لغيره دون إحراق ولا أذى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
دَاعِيًا
اسم فاعل من دعا يدعو؛ والداعي هو المستدعي للشيء الحاث عليه الراغب في تحصيله.
بِإِذْنِهِ
الإذن هنا الإرادة الشرعية والأمر والتمكين والتوفيق؛ وأصله في اللغة إعطاء الرخصة والتخلية.
سِرَاجًا
السراج هو المصباح الوقاد، واستعمل في القرآن للشمس: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}، واستعير هنا للنبي صلى الله عليه وسلم.
مُّنِيرًا
اسم فاعل من أنار ينير؛ أي مشرقاً بذاته، مفيضاً النور والهداية على غيره.
وَدَاعِيًا
الواو عاطفة، (داعياً) معطوف على (شاهداً) في الآية السابقة منصوب بالفتحة وهو اسم فاعل عامل، وفاعله مستتر.
إِلَى اللَّهِ
جار ومجرور متعلق بـ (داعياً).
بِإِذْنِهِ
جار ومجرور في محل نصب حال من الضمير في داعياً أو متعلق به، والهاء مضاف إليه.
وَسِرَاجًا
معطوف على ما قبله منصوب بالفتحة.
مُّنِيرًا
نعت لـ (سراجاً) منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج مهام الرسالة بالغاية والإشراق الكوني: بعد أن قررت الآية السابقة دوره كشاهد ومبشر ونذير، حددت هذه الآية وظيفته الإيجابية البناءة {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ}؛ فالهدف النهائي هو ربط القلوب بربها؛ ثم جاء التشبيه الخالد {وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} ليكون خلاصة المشهد البياني؛ فالنبي في الكون كالسراج الوضاء في الظلمة الحالكة، من اهتدى بنوره نجا ومن أعرض عنه تخبط في تيه الضلال.
التقييد بالإذن الرباني: قيد الدعوة بـ {بِإِذْنِهِ} لإظهار العبودية التامة والتبرؤ من الحول والقوة؛ فهو رسول متبع لأمر الله مؤيد بمدده، وليس متألّهاً ولا مبتدعاً من ذات نفسه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نشر الإسلام بالسيف والتنافي مع وصف (داعياً): يروج الطاعنون شبهة أن الإسلام دين انتشر بحد السيف والقهر، زاعمين تعارض ذلك مع صفة الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والإنارة.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
صراحة الوصف القرآني: الآية قررت أن جوهر وظيفته صلى الله عليه وسلم هي "الدعوة" {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ}، والدعوة تقوم على البيان والإقناع ومخاطبة العقول والقلوب؛ وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً في مكة يدعو بالقرآن والحجة والبرهان دون أن يرفع سيفاً واحداً، فأسلمت الصفوة التي حملت الرسالة.
وظيفة السيف الدفاعية والتحريرية: لم يشرع الجهاد في الإسلام لإكراه الناس على الدخول في العقيدة {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، بل شُرع لحماية حرية الدعوة، والدفاع عن المستضعفين، وإزالة الطواغيت والجبابرة الذين كانوا يحولون بين شعوبهم وبين سماع نور الحق وسماعه؛ فكان السيف سياجاً يحمي "السراج المنير" من أن تطفئه رياح البغي والعدوان.
حقيقة السراج المنير: السراج يبدد الظلام بنوره ولا يفرضه بالإكراه الميكانيكي؛ وهكذا دخلت ملايين البشر في الشرق والغرب في الإسلام طوعاً ورغبة لما رأوه من نور العدالة وطهارة الشريعة ونقاء التوحيد.
الاستعارة التصريحية أو التشبيه البليغ: {وَسِرَاجًا مُّنِيرًا}؛ شبه النبي صلى الله عليه وسلم في هدايته للقلوب بالسراج المنير الذي يبدد ظلمات الليل؛ وحذف وجه الشبه وأداة التشبيه للمبالغة والاتحاد؛ وخص السراج بالإنارة لأن من السرج ما يكون له دخان وحرارة بلا نور ساطع، فوصفه بالمنير للدلالة على صفاء نوره ونفعه.
الفرق بين سراج الشمس وسراج النبوة: سمى الله الشمس في نوح وعمّ {سِرَاجًا وَهَّاجًا} لما فيها من حرارة وإحراق، بينما سمى النبي {سِرَاجًا مُّنِيرًا} لأن نوره هدى وسلام وبرد وسكينة لا إحراق فيه ولا مشقة.
اللطائف التدبرية والإشارية:
من أراد أن يستضيء قلبه فليقتبس من مشكاة هذا السراج النبوي؛ فكل علم أو فكر أو سلوك لا يستمد نوره من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم فهو ظلمات موهومة لا حقيقة لها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
استشعار الدعاة لمقام "الدعوة بإذن الله"؛ بأن تكون دعوتهم خالصة لوجه الله، موافقة لشرعه، ممتزجة بالرفق واللين، ليكونوا أسرجة منيرة في مجتمعاتهم تبدد ظلمات الجهل والشبهات.
التركيز في الخطاب الدعوي على الدعوة "إلى الله" لا إلى الذوات والأحزاب والرايات الضيقة؛ فالهدف هو تعبيد الناس لربهم وحده.
العمل والوجدان الإيماني:
الانغماس في نور السنة النبوية علماً وعملاً؛ والتماس الهدى من أقواله وأفعاله وأخلاقه الشريفة.