تفسير السلف لميثاق النبيين وأولي العزم الخمسة بالأثر:
قال ابن جرير الطبري (21/127)مصدر غير محدد٢١/١٢٧: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد إذ أخذنا من الرسل ميثاقهم على الوفاء بما حملوا، وأن يصدق بعضهم بعضاً، ويبلغوا رسالات ربهم، وأخذنا منك يا محمد الميثاق، ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وخصص هؤلاء الخمسة بالذكر لأنهم أولو العزم من الرسل وأصحاب الشرائع الكبرى، {وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} أي عهداً مؤكداً وثيقاً باليمين على الصبر والتبليغ ونصرة الحق».
ونقل ابن كثير (6/368)مصدر غير محدد٦/٣٦٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: «الميثاق الغليظ: هو العهد الثقيل المؤكد على تبليغ رسالات الله، وأن ينصر بعضهم بعضاً، كما قال تعالى في آل عمران: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ}».
سر تقديم النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الذكر:
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن قتادة في قوله: {وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ} قال: «ذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: كُنْتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ، وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ؛ فَلِذَلِكَ بَدَأَ بِهِ قَبْلَهُمْ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
المِيثَاق: العهد المؤكد المغلظ باليمين والشهود؛ مأخوذ من الوثاقة والشدة والإحكام.
غَلِيظًا: الغِلَظ: الثقل والشدة والفظاعة والمتانة؛ والميثاق الغليظ هو العهد الهائل الذي لا يتطرق إليه نقض ولا انحلال.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَإِذْ}: الواو استئنافية، {إِذْ}: ظرف زمان لما مضى مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره "اذكر".
{أَخَذْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) فاعل.
{مِيثَاقَهُمْ}: مفعول به منصوب بالفتحة، وهم مضاف إليه، والجملة في محل جر بإضافة إذ إليها.
{وَمِنكَ}: الواو عاطفة، جار ومجرور معطوفان على {مِنَ النَّبِيِّينَ}، وهو من عطف الخاص على العام لشرفه.
{وَمِن نُّوحٍ}: معطوف مجرور بالكسرة.
{وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ}: معطوفان مجروران بالفتحة نيابة عن الكسرة للمنع من الصرف للعلمية والعجمة (وموسى بفتحة مقدرة).
{وَعِيسَى}: معطوف مجرور بفتحة مقدرة.
{ابْنِ}: نعت لعيسى مجرور بالكسرة وهو مضاف.
{مَرْيَمَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والتأنيث.
{وَأَخَذْنَا مِنْهُم}: فعل وفاعل وجار ومجرور تكرر لتوكيد وتفخيم العهد.
{مِّيثَاقًا}: مفعول به منصوب (أو مفعول مطلق).
{غَلِيظًا}: نعت لميثاقاً منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسناد التكاليف والولايات إلى الميثاق النبوي الأزلي:
بعد أن قرر ولاية النبي العظمى وتشريعات الأحكام الأسرية والاجتماعية في الآيات السابقة، ربط كل ذلك بأصل العهد النبوي الكوني؛ فبين أن هذه الأمانة والتشريعات لم تكن وليدة الصدفة، بل قامت على "ميثاق أزلي غليظ" أخذه الله على سائر الأنبياء وخص به قادة ركب النبوة الخمسة (أولي العزم).
وهذا الربط يملأ قلوب المؤمنين بالثقة بأن هذا الدين هو امتداد العهد التاريخي الرباني الأعظم على وجه الأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تفضيل الرسل وترتيب ذكرهم في الآية: يتساءل المشكك: لماذا قدم محمداً صلى الله عليه وسلم على نوح وإبراهيم، ونوح أقدم منه زمناً بألوف السنين؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة البلاغية:
هذا الترتيب يبرز الفرق بين "الترتيب الوجودي والفضلي" و"الترتيب التاريخي الزمني":
قدم نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم: {وَمِنكَ} لـ "أفضليته المطلقة وشرفه وسيادته على ولد آدم"، ولكونه هو المخاطب بالسورة وأمته هي المكلفة.
ثم رتب سائر أولي العزم الأربعة: {وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} بحسب "تسلسلهم التاريخي والزماني" المتعاقب.
والجمع بين التقديم الفضلي والترتيب الزمني يمثل قمة التوازن البلاغي والإعجاز النظمي في القرآن الكريم.
إطناب بالتوكيد؛ لإلقاء الهيبة والرهبة في نفس السامع؛ فالميثاق غليظ ثقيل تعجز عن حمله السماوات والأرض، وقد تحمله هؤلاء الصفوة من الرسل بالصبر والثبات.
التدبر الإشاري:
إذا كان الأنبياء المعصومون قد أخذ الله عليهم ميثاقاً غليظاً وسيسألهم عن تبليغه وأدائه، فما ظنك بنفسك أيها المسلم المكلف بالأمانة والشهادة على الناس؟! فالعهد ثقيل والزاد قليل ولا نجاة إلا بالصدق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
التذكير بوحدة الرسالات السماوية في أصل التوحيد والعهد؛ وربط أتباع الإسلام بأعظم رموز الصبر في التاريخ (أولي العزم).
التوجيه التربوي:
تربية النفس على الوفاء بالعهود والمواثيق؛ وتعظيم عهد الإيمان والبيعة لله ورسوله.
التوجيه العملي:
التزام أداء الأمانات والواجبات الدينية والمهنية بيقين وجدية واحتساب، والحذر من نقض العهود.
الوجدان الإيماني:
استشعار ثقل الأمانة، والوجل من هول الميثاق، والتعظيم والتبجيل لرسل الله الصابرين المحتسبين.