أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن والكتب السابقة: يروي الإمام البخاري في "صحيحه" (رقم 2125 و4838) عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقلت: "أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة"، قال: "أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَحِرْزاً لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُناً عُمْياً، وَآذَاناً صُمّاً، وَقُلُوباً غُلْفاً»".
تفسير الأوصاف الثلاثة: يوضح الطبري (ج 20، ص 293)مصدر غير محدد٢٠/٢٩٣ وابن كثير (ج 6، ص 419)مصدر غير محدد٦/٤١٩:
{شَاهِدًا}: شاهداً على أمته بتبليغ الرسالة، وشاهداً على سائر الأمم بتبليغ رسلهم يوم القيامة، وشاهداً بالحق والوحدانية لله.
{مُبَشِّرًا}: مبشراً للمؤمنين المطيعين بالرحمة والمغفرة والثواب الجزيل في الدنيا وجنات النعيم في الآخرة.
{نَذِيرًا}: منذراً ومحذراً للعصاة والكافرين من مغبة الشرك وبأس الله وعذابه الأليم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{شَاهِدًا}: الشاهد هو الذي يخبر بما رآه وعلمه يقيناً لحق أو على حق؛ وأصله من الشهود والحضور.
{مُبَشِّرًا}: اسم فاعل من بشّر يبشّر؛ والتبشير هو الإخبار بالخير السار الذي تظهر ملامحه على بشرة الوجه فرحاً.
{نَذِيرًا}: صيغة مبالغة أو اسم فاعل من أنذر؛ والإنذار هو الإخبار المقرون بالتخويف والتحذير قبل وقوع المكروه بوقت يتسع لتداركه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}: نداء تشريف وتنبيه.
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ}: (إنّ) حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها، وجملة أرسلناك خبرها، والكاف مفعول به.
{شَاهِدًا}: حال منصوبة بالفتحة من الكاف في (أرسلناك) مبينة لهيئة الإرسال وغايته.
{وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}: حالان معطوفتان على (شاهداً) منصوبتان بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان الوثيقة الدستورية لمهام البعثة النبوية: بعد أن بينت الآيات السابقة مكانة النبي وخاتميته في الآية (40)، وثواب المؤمنين وجزاءهم في الآية (44)، جاءت الآيتان (45 و46) لتحددا بدقة متناهية أركان الرسالة ووظائفها الخمس العظمى: (شاهداً، ومبشراً، ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً).
الترتيب النظمي المحكم: بدأ بـ "الشهادة" لكونها الأساس المعرفي والقضائي للبعثة، ثم ثنى بـ "التبشير" مقدماً على "الإنذار"؛ لأن رحمته سبقت غضبه، ولأن الأصل في دعوته جلب الرحمة للعالمين، ولم يأت الإنذار إلا سياجاً وقائياً لمن أبى وعاند.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدالة شهادة أمة محمد ونبيها على الأمم السابقة: يزعم المعترضون: كيف يشهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمته على أمم لم يروها كقوم نوح وهود وصالح؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الشهادة المبنية على الوحي المعصوم: يروي الإمام البخاري في "صحيحه" (رقم 4487)مصدر غير محددحديث رقم ٤٤٨٧ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ! فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}».
العلم اليقيني بالوحي أقوى من المعاينة البصرية: فشهدت الأمة ونبيها بما أخبرهم الله به في كتابه الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ والخبر المتيقن من العليم الخبير أرسخ وأثبت من الرؤية الحسية التي يعتريها الوهم والنسيان.
عدالة الأمة المحمدية المشهود لها بالتوسط والخيرية تقتضي قبول شهادتها بنص الوحي الإلهي يوم القيامة.
المقابلة البديعة بين البشارة والنذارة: طباق معنوي يجمع بين مقامي الترغيب والترهيب لإحداث التوازن في النفوس.
اللطائف التدبرية والإشارية:
رسالة النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للأكوان؛ فالشاهد يحفظ الحقوق، والمبشر يبعث الأمل، والمنذر يقي من الهلاك؛ وبذلك تكمل العناية بالبشرية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
اقتداء الدعاة بنبيهم في التوازن بين البشارة والإنذار؛ فلا يقتصر الخطاب على الترهيب المخوف الذي يقنط الناس، ولا على الترغيب المفرط الذي يجرئهم على المعاصي.
استشعار الأمة مسؤوليتها الرسالية؛ فكل مسلم ومسلمة يحمل قبساً من هذه الشهادة والبشارة والنذارة لتبليغها للعالمين.
العمل والوجدان الإيماني:
تصديق البشارة والعمل بمقتضاها لنيل الفضل العظيم؛ والوجل من النذارة ومفارقة الذنوب.
امتلاء القلب بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وشكره على ما لاقى في سبيل إبلاغ الرسالة وإيصال الهداية إلينا.