خصوصية بيت النبوة ومسؤولية المكانة الشريفة: ينقل الطبري (ج 20، ص 251)مصدر غير محدد٢٠/٢٥١ عن قتادة وابن عباس في قوله: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}: أن الفاحشة المبينة هنا هي معصية الله ونشوز الزوج ومخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: كل معصية ظاهرة يتبين قُبحها؛ فلما كانت مكانتهن أرفع ومنازلهن أشرف، وقربهن من مهبط الوحي أعظم، ضوعف عليهن العقاب في حال المخالفة صيانة لحرمة هذا المقام الإلهي.
بيان مضاعفة العذاب ضعفين: يوضح ابن كثير (ج 6، ص 402)مصدر غير محدد٦/٤٠٢ والقرطبي (ج 14، ص 168)مصدر غير محدد١٤/١٦٨ أن المعنى: يجعل لها العذاب عذابين؛ لأن الذنب يعظم بعظم شرف الفاعل والمكان والزمان؛ كما قال تعالى في حق النبي صلى الله عليه وسلم فرضا: {إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ}. ونزه الله أمهات المؤمنين عن فاحشة الزنا قطعاً بإجماع الأمة؛ لأن نساء الأنبياء معصومات من الفواحش المنافية للعفة بالاتفاق صيانة لمقام النبوة.
قراءات مضاعفة العذاب: قرأ ابن كثير وابن عامر {نُضَاعِفْ} بنون العظمة ونصب {الْعَذَابَ}، وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي {يُضَاعَفْ} بالياء وفتح العين ورفع {الْعَذَابُ}، وقرأ يعقوب {يُضَعَّفْ} بالتشديد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{فَاحِشَةٍ}: الفاحشة في الأصل كل ما تجاوز الحد في القبح والشناعة من قول أو فعل؛ واستعملت في القرآن للمعاصي الكبيرة المتبينة والنشوز والأذى.
{مُّبَيِّنَةٍ}: قرئ بكسر الياء (مُبَيِّنة) أي أظهرت قبحها بنفسها أو أظهرت عيب فاعلها، وقرئ بفتحها (مُبَيَّنة) أي بيّنها الله وحرمها تحريماً واضحاً لا شبهة فيه.
{ضِعْفَيْنِ}: الضعف هو المثل المضاف إلى الشيء؛ والضعفان هما مثلان مضافان للعذاب المعتاد لغيرهن، أي يعذب العاصي منهن مثلاً فيعذب ضعف ذلك صيانة للمقام.
{مَن يَأْتِ مِنكُنَّ}: (من) اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، (يأت) فعل الشرط مضارع مجزوم بحذف حرف العلة، والفاعل ضمير مستتر يعود على من، و(منكن) جار ومجرور في محل نصب حال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء ميزان العدالة الصارم: بعد أن خيرهن الله فاخترن الله ورسوله، وضعت هذه الآية والآية اللاحقة قواعد السلوك الخاص ببيت النبوة؛ فالقرب من القيادة والرسالة ليس مجرد امتياز وتشريف مجرد، بل هو تكليف وتغليظ في المسؤولية؛ فمن عظمت نعمته عظم جرمه إن خالف، وعظم أجره إن أحسن.
التمهيد لمضاعفة الأجر: النظم الإلهي الحكيم بدأ بذكر التخويف والتحذير من المعصية ومضاعفة العقوبة {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ}، ليتطهر القلب من الأمن من مكر الله، ثم أتبعه مباشرة في الآية (31) بذكر مضاعفة الأجر {نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} لتحقيق التوازن بين الخوف والرجاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إمكانية وقوع الفاحشة المنافية للعفة من نساء النبي: قد يتوهم مريض القلب من قوله {بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} إمكانية وقوع الفاحشة المحرمة (الزنا) من أمهات المؤمنين.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الإجماع القطعي على طهارة فراش الأنبياء: أجمع أئمة أهل السنة والجماعة والمحققون على أن نساء الأنبياء قاطبة معصومات من الوقوع في الزنا صيانة لعرض النبوة عن الدنس؛ لأن وقوع ذلك ينفر الناس عن النبي ويسقط هيبته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أغير الخلق وأشرفهم.
سياق الشرط الافتراضي لتقرير القاعدة: التعبير بصيغة الشرط {مَن يَأْتِ} أسلوب لغوي معروف لتقرير الحكم الشرعي والتغليظ النظري، والشرط لا يقتضي الوقوع أصلاً، كقوله تعالى للنبي: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}، والشرك محال وقوعه منه صلى الله عليه وسلم، وإنما سيق لبيان شناعة الفعل لو قدر وقوعه.
بيان معنى الفاحشة في السياق: الفاحشة المبينة هنا باتفاق المفسرين المحققين هي النشوز، أو سوء الخلق، أو طلب التوسع في الدنيا مما يغضب النبي صلى الله عليه وسلم ويسيء إلى وقار بيت الرسالة.
النداء بـ (يا نساء النبي): تجريد الخطاب وتشريفهن بإضافتهن إلى "النبي"؛ للتذكير بعظم المسؤولية المترتبة على هذه النسبة الشريفة.
تأكيد مضاعفة الجزاء بـ (ضعفين): إبراز لمبدأ التناسب بين المنزلة والتبعات؛ فالرفعة في الدرجات تقتضي شدة الحساب.
التذييل المقسط بـ (وكان ذلك على الله يسيراً): لقطع كل وهم بأن شرف اتصالهن بالنبي قد يحول بينهن وبين نفاذ العدالة الإلهية؛ فالله لا يحابي أحداً في دينه وقضائه.
اللطائف التدبرية والإشارية:
كلما كانت النعمة أتم والحجة أظهر، كانت المعصية أشنع؛ فمعصية العالم وذي المنصب الديني أقبح من معصية الجاهل، ولذلك يضاعف العذاب على من أوتي العلم ففرط.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
ترسيخ قاعدة "المغرم بالمنعم" في العمل المؤسسي والإسلامي؛ فالقادة وأهل الفضل والقدوات يجب أن يخضعوا لمساءلة أشد ورقابة أدق صيانة لسمعة المنهج والمشروع.
الحذر من الركون إلى الأنساب والروابط الصالحة؛ فالقرب من الأنبياء والصالحين لا يغني عن المرء شيئاً إن هو خالف أمر الله.
العمل والوجدان الإيماني:
الخوف من مكر الله تعالى وملازمة التقوى؛ فإذا كان هذا الخطاب موجهاً لأمهات المؤمنين الأطهار، فكيف بآحاد المسلمين؟
تنزيه ألسنتنا وقلوبنا عن الخوض في أعراض أمهات المؤمنين؛ واعتقاد طهارتهن وعفتهن الكاملة كجزء من محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره.