اطراد السنن الإلهية في معاقبة المفسدين: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 337)جامع البيانالطبري٢٠/٣٣٧ وابن كثير (ج 6، ص 448)مصدر غير محدد٦/٤٤٨ عن قتادة ومجاهد والزهري، أن المعنى: هذا الحكم الرادع في قتل المنافقين والمرجفين واستئصال شأفتهم إذا لم ينتهوا ليس حكماً بدعاً خاصاً بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل هي سنة الله وقانونه المطرد في الأمم السابقة التي كذبت الرسل وتآمرت على أوليائه ونكثت العهود؛ فكلما جاهر المنافقون بالعدوان أحل الله بهم بأسه وعقابه.
تفسير نفي التبديل: يوضح القرطبي (ج 14، ص 249)مصدر غير محدد١٤/٢٤٩ والسعدي (ص 672)مصدر غير محدد٦٧٢ أن قوله: {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} تأكيد قطعي على أن قوانين الله وسننه في الاجتماع البشري ونصرة الحق ومحق الباطل سنن ثابتة مطلقة لا تتبدل ولا تتخلف ولا تحابي أحداً من خلقه، إلى قيام الساعة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{سُنَّةَ}: السنة هي الطريقة المستقرة والعادة المطردة والناموس الحاكم.
{تَبْدِيلًا}: التبديل هو تغيير الشيء بغيره أو إبطال مفعوله ونقض نتائجه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{سُنَّةَ اللَّهِ}: مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره (سنّ الله ذلك سنة)، وهو مضاف واسم الجلالة مضاف إليه.
{فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لسنة الله، وصلة الموصول، ومن قبل متعلق بخلوا.
{لِسُنَّةِ اللَّهِ}: متعلق بـ (تجد) أو بحال محذوفة مقدمة.
{تَبْدِيلًا}: مفعول به لـ (تجد) منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسناد التشريع إلى النواميس الكونية والتاريخية: بعد أن قررت الآيتان السابقتان الوعيد الأمني الصارم ضد المنافقين، جاءت هذه الآية لترفع مستوى الرؤية لدى المسلمين؛ ليعلموا أن هذا الحزم ليس مجرد إجراء سياسي لحظي، بل هو تطبيق لناموس إلهي وتاريخي خالد في صراع الحق والباطل؛ فالأمم التي تتهاون مع خياناتها الداخلية تنهار وتستبدل، والأمم التي تحسم مع المفسدين يحفظها الله ويمكّن لها.
التأبيد بـ (لن): استعمال حرف النفي المؤبد للمستقبل {وَلَن تَجِدَ} لقطع أي أمل للمجرمين في الإفلات من مقتضى هذه السنة الكونية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعارض بين نفي التبديل وتغير الشرائع والأحكام: يسأل بعضهم: كيف يقول القرآن {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} والمعلوم أن الشرائع تنسخ وتتغير بتغير الأنبياء والظروف؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
التفرقة بين الفروع التكليفية والسنن الكونية الكلية: النسخ والتغير يقعان في فروع الأحكام العملية الجزئية بحسب مصالح الأمم وتطورها (كتغير القبلة وعدد الصلوات وبعض المحرمات)؛ أما "سنن الله" الكلية (كنصر المؤمنين، ومحق الظالمين، واستئصال المفسدين، وجزاء الصادقين، وابتلاء الأخيار) فهي نواميس كونية وتاريخية ثابتة كالأفلاك في مساراتها لا تقبل التبديل ولا النسخ قط.
اطراد العدالة الإلهية: سنة الله في إهلاك الطغاة عند استكمال أسباب الهلاك قانون ثابت عبر القرون (من عاد وثمود إلى الفراعنة إلى قريش)؛ فالرب واحد والعدل واحد والسنن مطردة.
حث العقل على الاستقراء التاريخي: الآية تدعو العقل البشري إلى قراءة التاريخ واستقراء مصائر الحضارات والأمم؛ فمن سلك مسلك النفاق والبغي حلت به عاقبة البوار حتماً.
التأكيد بالمصدر (سنة الله): مفعول مطلق مؤكد يربط الحكم مباشرة بالإرادة الإلهية العليا.
النفي المطلق بلن وتنكير (تبديلاً): {وَلَن تَجِدَ... تَبْدِيلًا}؛ نكرة في سياق النفي المؤبد لاستغراق نفي أي صورة من صور التغيير أو الاستثناء؛ مما يلقي في النفس هيبة هذه السنن وجلالها.
اللطائف التدبرية والإشارية:
فقه السنن هو بوصلة النصر والتمكين؛ فمن فهم سنن الله في خلقه لم يستعجل النتائج، ولم ييأس عند المحن، وعلم أن للباطل صولة ثم يزول بسنة الله الغالبة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
دراسة سنن التاريخ والاجتماع البشري في القرآن الكريم؛ وربط أحداث الواقع المعاصر بالنواميس الربانية المستقرة.
تحذير المفسدين من الاغترار بإمهال الله لهم؛ فإن سنة الاستدراج ثم الأخذ بالحق سنة ماضية لا تتخلف.
العمل والوجدان الإيماني:
الثقة المطلقة بوعد الله وسننه؛ واليقين بأن مكر الكفار والمنافقين محكوم عليه بالبوار والفشل الحتمي.
العمل بمقتضى السنن الشرعية والكونية؛ فالنصر يستجلب بالإيمان وإعداد المستطاع من القوة، وليس بالتواكل والادعاءات الفارغة.