سبب النزول وقصة آية التخيير: يروي الإمام مسلم في "صحيحه" (رقم 1478)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٧٨ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما استأذنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس جلوس ببابه، فأذن لهما، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه ساكتات، فقال عمر: "لأقولن شيئاً أضحك النبي صلى الله عليه وسلم"، فقال: "يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة (زوجة عمر) سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها!" فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ»، فقام أبو بكر إلى عائشة يجؤ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجؤ عنقها، كلاهما يقول: تسألان رسول الله ما ليس عنده؟ فقلن: "والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مجلسنا هذا شيئاً أبداً ليس عنده"، فأنزل الله تعالى آية التخيير: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ...}.
تفسير الإمتاع والسراح الجميل: يوضح الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 246)جامع البيانالطبري٢٠/٢٤٦ وابن كثير (ج 6، ص 400)مصدر غير محدد٦/٤٠٠ أن المعنى: إن كنتن تؤثرن التوسع في زينة الدنيا ولذائذها الفانية ولا تصبرن على ضيق العيش وشظف الحياة في بيت النبوة، فتعالين أعطكن متعة الطلاق (نفقة وهدية جبر الخاطر) وأطلقكن طلاقاً حسناً لا أذى فيه ولا مشاتمة ولا خصومة، بل بإحسان وجميل ستر.
ترتيب البدء بعائشة رضي الله عنها: يروي البخاري (رقم 4785)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٨٥ ومسلم (رقم 1467)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٦٧ عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بها فقال: «يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، فقالت: "أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة"، ثم فعل سائر نسائه صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فاخترن الله ورسوله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{تُرِدْنَ}: الإرادة نزوع النفس ورغبتها القاطعة نحو الشيء؛ وأرادت المرأة الدنيا أي مالت إلى زينتها وفضلتها.
{أُمَتِّعْكُنَّ}: المتاع والمتعة هي ما يدفعه المطلق لمطلقته جبراً لقلبها وتخفيفاً لوحشة الفراق؛ وأصل المتاع كل ما ينتفع به زمناً ثم يزول.
{أُسَرِّحْكُنَّ}: التسريح هو الإطلاق والتخلية، وأصله تسريح الإبل والماشية للرعي، واستعير للطلاق البائن أو الرجعي بإحسان.
{سَرَاحًا جَمِيلًا}: السراح الجميل هو الطلاق الواقع بالسنة دون مضارة ولا إساءة ولا انتزاع للحقوق المشروعة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}: نداء للتنبيه والتشريف، وفعل الأمر (قل)، والجار والمجرور (لأزواجك) متعلق بـ (قل).
{إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ}: (إن) شرطية، (كنتن) فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والضمير نون النسوة اسمها، وجملة (تردن) خبرها، و(الحياة) مفعول به، و(الدنيا) نعت، و(زينتها) معطوف منصوب.
{فَتَعَالَيْنَ}: الفاء واقعة في جواب الشرط، (تعالين) اسم فعل أمر أو فعل أمر جامد مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والنون فاعل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{أُمَتِّعْكُنَّ}: مضارع مجزوم في جواب الطلب (تعالين)، والفاعل مستتر تقديره أنا، والكاف مفعول به والنون للنسوة.
{وَأُسَرِّحْكُنَّ}: معطوف مجزوم، ومفعوله الكاف.
{سَرَاحًا جَمِيلًا}: مفعول مطلق مؤكد لعامله منصوب، و(جميلاً) نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الجهاد الخارجي إلى صيانة الجبهة الأسرية: بعد أن انتهت المعارك العسكرية الحاسمة في الجزء الأول (الخندق وبني قريظة) وغنم المسلمون ديار قريظة وأموالها، طمحت نفوس نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوسع في النفقة المشروعة، فجاءت هذه الآية لترسي المعيار الأخلاقي والقيمي لبيت القيادة النبوية؛ فبيت النبوة ليس مكاناً للتنافس الدنيوي، بل هو منارة الزهد والقدوة العظمى.
كمال الأدب النبوي في عرض التخيير: صدر الخطاب بنداء النبي {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} ثم أمره بالتخيير الشفيف الصريح؛ فلم يقع غضب ولا زجر، بل عُرض الأمر بطريقة منصفة كريمة تحترم إرادة المرأة وتمنحها حرية الاختيار المطلقة بين أعلى مقامات الزهد أو الفراق بإحسان وتكريم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التضييق على أزواج النبي في النفقة المباحة: قد يظن من يجهل حقيقة المقامات العلية أن النبي صلى الله عليه وسلم بخل عليهن أو ضيق عليهن في حق مشروع، ولماذا يُعرضن للطلاق لمجرد طلب النفقة؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
شرف المقام يقتضي رفعة الهمة: نساء النبي صلى الله عليه وسلم لسن كسائر النساء؛ إنهن أمهات المؤمنين وقدوة نساء العالمين إلى قيام الساعة، ولو انغمس بيت النبوة في الترف والزينة بعد الغنائم لاتخذ الناس ذلك ذريعة للتهالك على الدنيا والتنافس عليها، فكان لابد من صيانة هذا البيت ليكون أنموذجاً للتجرد والتعفف.
احترام الإرادة ورفض الإكراه: لم يجبرهن النبي صلى الله عليه وسلم على البقاء معه في الشدة، بل أمره ربه بتخييرهن بمنتهى الشفافية والعدل؛ فمن أرادت الدنيا فلها ذلك بكامل حقوقها المادية والمعنوية {أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}، ومن اختارت الله ورسوله صبرت على هذا المقام العظيم.
إن طلب النفقة من قبلهن لم يكن من باب العصيان، بل كان بحسب الطبع البشري المعتاد عند توفر الغنائم، فلما نبههن القرآن إلى حقيقة مقامهن اخترن الله ورسوله بلا تردد وبإجماع تام، مما أثبت جدارتهن برتبة "أمهات المؤمنين".
الوصف بالسراح الجميل: {سَرَاحًا جَمِيلًا}؛ الجميل هو الذي لا يعقبه شقاق ولا طعن في الأعراض ولا استلاب للأموال؛ مما يرسخ الأخلاق الإسلامية الراقية حتى في حالات الفراق الزوجي.
تقديم المشيئة والرغبة (إن كنتن تردن): بيان أن الإرادة الحرة هي مناط التكليف والترقي؛ فالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم شرف لا ينال إلا بصفاء الإرادة وتفضيل الآخرة على الدنيا.
الإيجاز الإعجازي في (تعالين): كلمة تدل على استدعاء الهمم واستنهاض العزائم لتحديد المصير المصيري.
اللطائف التدبرية والإشارية:
بقدر شرف المهمة يعظم البذل؛ فمن أراد أن يقود الأمة ويصلح المجتمعات وجب عليه أن يزهد في فضول الدنيا، وأن يربي أهل بيته على التجرد والاستعلاء على بريق المادة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
وجوب أن يكون بيوت الدعاة والقادة قدوة للمجتمع في القناعة والزهد والبساطة، فلا تنشغل أسرهم بالتفاخر المادي والاستهلاك الترفي.
إرساء ثقافة الإحسان عند الفراق؛ فالطلاق إن وقع بين المسلمين يجب أن يكون بالسراح الجميل والإمتاع وحفظ الود وحسن الذكرى دون خصومات المحاكم الفاضحة.
العمل والوجدان الإيماني:
مراجعة خيارات القلب: هل إرادتنا موجهة إلى الدنيا وزينتها أم إلى الله ورسوله والدار الآخرة؟
الاقتداء بأمهات المؤمنين في تقديم محبة الله ورسوله على كل متع الدنيا الفانية.