بيان معنى دخول المدينة وسؤال الفتنة: ينقل الطبري (ج 20، ص 215)مصدر غير محدد٢٠/٢١٥ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك، أن المعنى: لو دخلت جنود الأحزاب عسكر المدينة ودورها من أقطارها وجوانبها ونواحيها، ثم طُلب من هؤلاء المنافقين "الفتنة" (أي: الرجوع عن الإسلام والردة إلى الشرك، أو قتال المسلمين مع المشركين ومظاهرة الأحزاب على استباحة المدينة) لأجابوا إلى الشرك وأعطوه سريعاً، وما توقفوا ولا انتظروا إلا وقتاً يسيراً ريثما يتم الاتفاق.
تفسير ابن كثير والقرطبي: يوضح ابن كثير (ج 6، ص 388)مصدر غير محدد٦/٣٨٨ أن هذا فضح لنفاقهم الأكبر؛ فهم يتعللون لحماية بيوتهم بحرصهم المزعوم، بينما الحقيقة أنهم لا يتمسكون بدين أصلاً، ولو اقتحم العدو المدينة وطلب منهم الردة ومقاتلة نبيهم لفعلوا ذلك بلا تردد ولا وخز ضمير. ويذكر القرطبي (ج 14، ص 147)مصدر غير محدد١٤/١٤٧ قراءة نافع وابن كثير {لَآتَوْهَا} بالمد (من الإتيان بالمعنى: لأعطوها وسارعوا إليها)، وقراءة الجمهور {لَأَتَوْهَا} بالقصر من الأتيان (أي لجاؤوها وفعلوها).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{أَقْطَارِهَا}: جمع قُطر، وهو الجانب والناحية والجهة، وأقطار المدينة أطرافها وثغورها المختلفة.
{الْفِتْنَةَ}: الفتنة هنا باتفاق أئمة التفسير: الشرك بالله، والردة عن دين الإسلام، وموالاة الكفار على المسلمين.
{تَلَبَّثُوا}: التلبث هو التريث والإبطاء والمكث والتردد في الأمر قبل الإقدام عليه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم}: الواو عاطفة أو استئنافية، (لو) شرطية تفيد الامتناع للامتناع أو التقرير، (دُخلت) فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود على المدينة، و(عليهم) متعلق بالفعل.
{مِّنْ أَقْطَارِهَا}: جار ومجرور متعلق بـ (دخلت)، والها مضاف إليه.
{ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ}: (ثم) حرف عطف للتراخي الرتبي، (سئلوا) فعل ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعل وهو المفعول الأول، و(الفتنة) مفعول به ثان منصوب.
{لَآتَوْهَا}: اللام واقعة في جواب لو، و(آتوها) فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة لا محل لها جواب شرط غير جازم.
{وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا}: الواو حالية، (ما) نافية، (تلبثوا) فعل ماض وفاعله، و(بها) متعلق بالفعل، و(إلا) حصر، و(يسيراً) مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي إلا تلبثاً يسيراً) أو ظرف زمان منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الهبوط بأقنعة النفاق إلى الدرك الأسفل: تترقى الآيات في فضح سيكولوجية المنافقين؛ فبعد أن أثبتت كذبهم في ادعاء حراسة البيوت في الآية (13)، قطعت هذه الآية كل شك في ولائهم الديني والوطني، فبينت أن هؤلاء الذين يزعمون الحرص على بيوتهم وعوراتهم مستعدون لتسليم المدينة كلها للعدو والارتداد عن الإسلام ومباشرة الفتنة في أقصر وقت دون أدنى تردد.
التناسب بين الامتناع والسرعة: يبرز النظم مقابلة عجيبة: المنافقون يبطئون ويتلبثون ويثاقلون جداً عند دعوة الله ورسوله للبذل والدفاع عن بيضة الإسلام، بينما يسارعون في خفة مذهلة {وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} إلى الشرك والردة إذا طلبها منهم العدو الغالب، مما يدل على انسلاخهم الكامل من عقد الإيمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إكراه العدو وتبرير السقوط: قد يقال: لو دخلت المدينة من أقطارها لكان أهلها في حكم المكرهين، والإكراه عذر شرعي يسقط المؤاخذة عند النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان، فلم عاتبهم القرآن؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
سياق الآية ينفي الإكراه القاهر؛ فالآية قالت: {ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ}، أي مجرد طلب وسؤال وعرض من الأحزاب، ولم تقل "أكرهوا" أو "عذبوا"؛ فبمجرد أن يُعرض عليهم الانضمام لمعسكر الشرك يبادرون طائعين متطوعين لإرضاء القوة الغالبة.
نفي التلبث: قوله {وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} دليل على الرغبة الذاتية الكامنة في نفوسهم وموافقتهم الباطنة على الردة والفتنة، فلو كان قلبهم مطمئناً بالإيمان لدافعوا وتوقفوا وامتنعوا حتى يلجئهم السيف القاطع، لكنهم لم يتوقفوا إلا ريثما يجيبون الداعي.
بيان أن هويتهم الإيمانية كانت قشرية مصطنعة، فلم يكن إسلامهم إلا طلباً للغنائم والأمان، فلما تبدلت موازين القوى كانوا على أهبة الاستعداد لإلقاء هذا القناع والارتماء في أحضان الشرك.
حرف العطف (ثم) للتفاوت المعنوي: {ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ}؛ لم تأت الفاء بل جاءت (ثم) لإفادة التراخي الرتبي؛ للدلالة على عظم الجرم وشناعته، أي: لو اقتحمت ديارهم ثم وصل الأمر إلى أعظم المنكرات وهو الشرك لما ترددوا.
القراءة المتواترة بالمد والقصر: قراءة {لَآتَوْهَا} بالمد تعني لأعطوها مسارعين، وقراءة {لَأَتَوْهَا} بالقصر تعني لجاءوها وفعلوها صاغرين، والجمع بين القراءتين يثبت كمال الاستجابة للباطل بالفعل والبذل.
التأكيد على سرعة الاستجابة بالاستثناء المفرغ: {وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا}؛ نفي التردد إلا بقدر يسير يعكس التهافت المخزي نحو الردة.
اللطائف التدبرية والإشارية:
من لم يكن دينه مبنياً على اليقين والصدق، تساقطت مبادئه عند أول اختبار حقيقي؛ فالمنافق يبيع دينه ومبادئه ووطنه ومقدساته بأبخس الأثمان عند أدنى تهديد من العدو الخارجي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
كشف حقيقة أن المنهزمين نفسياً أمام قوة العدو لا يمكن الوثوق بهم في حماية الأوطان والمقدسات؛ لأنهم يرون التنازل عن الثوابت أول وسيلة للنجاة الشخصية.
تحذير المجتمعات المسلمة من دعاة التبعية للغالب، الذين يسارعون إلى تبني قيم الأعداء ومطالبهم بمجرد أن تلوح قوة العدو في الأفق.
العمل والوجدان الإيماني:
ترسيخ الثبات على العقيدة حتى الموت، واستحضار أن الردة والفتنة أعظم وأشنع من الموت جوعاً أو قتلاً في الثغور.
الدعاء الدائم بثبات القلب: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، خوفاً من التبديل والانقلاب عند المحن الكبرى.