سبب النزول وتعيين القائلين: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 211)جامع البيانالطبري٢٠/٢١١ بسنده عن سعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يضرب الصخرة في الخندق لمعت له ثلاث لمعات، فبشرهم بفتح قصور كسرى وقيصر وصنعاء واليمن، فلما أحاط بهم الأحزاب وعضهم الحصار قال معتب بن قشير الأنصاري وطعمة بن أبيرق ونفر من المنافقين: "كان محمد يخبرنا أنه يبصر قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لنا، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط! ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا".
الفرق بين المنافقين والذين في قلوبهم مرض: ينبه ابن كثير (ج 6، ص 387)مصدر غير محدد٦/٣٨٧ والقرطبي (ج 14، ص 144)مصدر غير محدد١٤/١٤٤ إلى أن عطف {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} على {الْمُنَافِقُونَ} يحتمل وجهين:
أنه من باب عطف الصفات لموصوف واحد؛ فالمنافقون هم أنفسهم أصحاب القلوب المريضة بالشك والرياء.
أنه عطف تنويع وتفريق في الدرجات؛ فالمنافقون هم المبطنون للكفر الصريح المعاندون، والذين في قلوبهم مرض هم ضعفاء الإيمان والشاكون الذين لم يستقر اليقين في أفئدتهم، فإذا نزلت الشدة سارعوا إلى التشكيك وترديد مقالات المنافقين.
تفسير الغرور: يقول السعدي في تفسيره (ص 659)مصدر غير محدد٦٥٩: الغرور هو الباطل الذي يغر صاحبه ويخدعه، فنسبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التغرير بهم والكذب في مواعيده لانتكاس بصائرهم وحصر مداركهم في الأسباب الأرضية العاجلة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{مَرَضٌ}: المرض في القلب هو فساد النية والشك والشبهة التي تعمي عن إدراك الحق، وأصله خروج البدن عن الاعتدال والصحة.
{غُرُورًا}: الغرور بالضم هو الخديعة والباطل وما لا حقيقة له، ومنه الغار وهو الشيطان.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَإِذْ يَقُولُ}: الواو عاطفة، (إذ) ظرف لما مضى متعلق بـ (اذكروا) أو بفعل محذوف تقديره (واذكر إذ)، وجملة (يقول) مضاف إليها، وعبر بالمضارع لاستحضار الصورة الحية الشنيعة.
{الْمُنَافِقُونَ}: فاعل مرفوع بالواو.
{وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}: اسم موصول معطوف على المنافقين، والجار والمجرور خبر مقدم، و(مرض) مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها.
{مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}: جملة مقول القول في محل نصب؛ (ما) نافية، (وعدنا) فعل ماض ومفعوله، واسم الجلالة فاعله، ورسوله معطوف عليه، و(إلا) أداة حصر وإلغاء، و(غروراً) مفعول به ثان لـ (وعد) على تضمينه معنى أعطى، أو مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي وعداً باطلاً)، أو حال من المفعول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز الطابور الخامس في لحظة الزلزلة: تتناسق الآية أتم التناسق مع سابقاتها؛ فحين أعلنت الآية السابقة وقوع الزلزلة الشديدة، كشفت هذه الآية فوراً عن العفن الداخلي والنفاق الكامن، حيث استغل المنافقون الرعب الميداني لإطلاق حرب الشائعات وضرب الجبهة المعنوية للمسلمين من الداخل.
المقابلة الإيمانية الصريحة: رتب النظم مقالة المنافقين هنا ليقابلها بمقالة الصادقين في الآية (22): {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}؛ فاللفظ متحد في استحضار "الوعد"، ولكن المنافق يرى الوعد "غروراً وخديعة"، بينما يرى المؤمن الوعد "امتحاناً وبشارة بالتمكين"، مما يوضح أثر البصيرة والعمى في تفسير الحدث الواحد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة القياس المادي وتبرير خيانة المنافقين: قد يدعي من يتفهم موقف المنافقين أن مقالتهم كانت نتيجة حتمية لمنطق الواقع المادي؛ فكيف يعدهم النبي بكنوز كسرى وقيصر وهم لا يأمنون على التبرز في خندقهم، ألم يكن كلامهم واقعياً؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الخطأ المعرفي القاتل للمنافقين يكمن في تغييب الإله القادر على كل شيء من المعادلة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعدهم بقوته الذاتية ولا بقوة الثلاثة آلاف الجائعين المحصورين، بل أخبرهم بوحي من الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض وأمره بين الكاف والنون.
سوء التوقيت والخيانة الممنهجة: لم يكن كلامهم مجرد تعبير عن خوف شخصي، بل كان ترويضاً للمجتمع لقبول الهزيمة والاستسلام للأحزاب، وبثاً لليأس في صفوف المجاهدين لكسر معنوياتهم، وهي جريمة طعن في الظهر ترتكبها الطوابير الخامسة في كل زمان.
كذب دعواهم بتحقق الغرور: فقد برهن التاريخ الواقعي القاطع بعد سنوات قلائل كذب المنافقين وصدق النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ سقطت عروش كسرى وقيصر وفتحت خزائن الأرض للمسلمين، فتبين أن الغرور والجهل كان في عقول المنافقين لا في الوعد النبوي الصادق.
القصر والحصر البليغ: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}؛ أسلوب قصر حصر فيه الوعد الإلهي في التغرير والخديعة، ليعكس الجزم القاطع المريض في نفوسهم بالهزيمة، وعمى بصيرتهم عن إدراك حكمة الابتلاء.
التفريق بين النفاق ومرض القلب: إفراد المنافقين ثم عطف {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يلفت بيانيا إلى تدرج المرض الإيماني؛ فالشك إن لم يداو باليقين أورث نفاقاً خالصاً وانسلاخاً من الملة.
اللطائف التدبرية والإشارية:
المرجفون في كل عصر ينظرون إلى أقدامهم فقط ولا يرون وراء الغيوم؛ فالمعيار عندهم البطون والأمان اللحظي، بينما ينظر أهل الإيمان بنور الله إلى المآلات والفتوحات الموعودة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
التحذير الشديد من الطابور الخامس في أوقات الأزمات والحروب؛ فخطر المنافقين الداخليين أشد على الأمة من كيد الأعداء الخارجيين المتربصين بالثغور.
وجوب حماية الجبهة الداخلية من السموم الفكرية والشائعات؛ فلا يسمح للمرجفين بتوهين عزائم الناس وتشكيكهم في ثوابت الدين ونصرة الله لأوليائه.
العمل والوجدان الإيماني:
رد الشائعات ومقالات التخذيل باليقين الصادق؛ وتذكر أن وعد الله لا يخلف أبداً وإن ادلهمت الخطوب.
تطهير القلب من أمراض الشبهات والشهوات قبل نزول البلاء؛ فإن الشبهة الكامنة في الرخاء تنفجر كفراً وتخذيلاً في الشدة.