قال ابن جرير الطبري (21/128)مصدر غير محدد٢١/١٢٨: «يقول تعالى ذكره: أخذنا ذلك الميثاق من الأنبياء لكي يسأل الله الصادقين في إيمانهم وعهدهم عن صدقهم؛ يعني الرسل الذين أرسلهم: هل بلغتم رسالات ربكم؟ وماذا أجابكم قومكم؟ ويسأل الذين صدقوا الرسل عما أجابوا به رسلهم، {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ} المكذبين بالرسل {عَذَابًا أَلِيمًا} في نار جهنم موجعاً».
ونقل ابن كثير (6/369)مصدر غير محدد٦/٣٦٩ عن مجاهد وقتادة: «{لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ}: يعني المبلغين المؤدين من الرسل عما أجابتهم به أممهم؛ كما قال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}، وقال ابن عباس: يسأل النبيين عن تبليغ الرسالة، ويسأل الصادقين من أتباعهم عن وفائهم بالعهد والصدق».
وقال السعدي (ص 657)مصدر غير محدد٦٥٧: «أي ليختبر صدق الصادقين ويجازيهم على صدقهم وثباتهم في إمضاء الميثاق، ويجازي الكافرين المكذبين بالعذاب الأليم؛ فالغاية من الميثاق هي إقامة ميزان العدل والجزاء الحق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الصِّدْق: مطابقة القول والعمل والاعتقاد للحق والواقع والعهد، وهو عماد الدين ورأس الفضائل.
الأَلِيم: الفَعِيل بمعنى المُفْعِل، وهو المؤلم المفضي إلى أشد درجات الوجع والحسرة.
الإعراب والوجوه النحوية:
{لِّيَسْأَلَ}: اللام لام التعليل، يسأل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على الله تعالى، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بأخذنا ميثاقهم.
{الصَّادِقِينَ}: مفعول به أول ليسأل منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
{عَن صِدْقِهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بيسأل في موضع المفعول الثاني.
{وَأَعَدَّ}: الواو عاطفة، أعد فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله.
{لِلْكَافِرِينَ}: اللام حرف جر، الكافرين اسم مجرور بالياء متعلقان بأعد.
{عَذَابًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{أَلِيمًا}: نعت لعذاباً منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الغاية والعلة التكليفية لأخذ الميثاق الغليظ:
لما ذكر أخذ الميثاق الغليظ من النبيين في الآية السابقة، علل ذلك هنا بـ "الحكمة الجزائية والمحاكمة الأخروية الكبرى": {لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ}.
وهذا التناسب يوضح أن الميثاق لم يكن شكلياً، بل هو أساس السؤال والمحاسبة يوم القيامة؛ ليثاب الصادق على صدقه ووفائه، ويعاقب الكافر على كفره ونكثه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة "لماذا يسأل الله الصادق عن صدقه وهو يعلمه؟": يستشكل بعض الناس: إذا كان الله يعلم صدق الصادقين وأمانة النبيين، فما الحكمة من سؤالهم يوم القيامة: {لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ}؟!
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة البيانية والعدلية:
سؤال الله للصادقين يوم القيامة ليس سؤال استعلام أو استفهام لجهل — تنزه الله عن ذلك علواً كبيراً — بل له حكم بالغة:
سؤال إظهار وتشريف وتكريم للصادقين: كالمعلم الذي يسأل الطالب المتفوق أمام الملأ ليظهر علمه ويفتخر به ويكافئه.
جعل الكافرين في مقابلة "الصادقين"؛ إشعاراً بأن الكفر في حقيقته كذب ونكث وخيانة للأمانة، وأن الإيمان هو الصدق التام والوفاء بالعهد.
التعبير بالسؤال في {لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ}:
إذا كان الصادق والرسل سيسألون عن صدقهم وتبليغهم وهم المؤدون للأمانة، فكيف سيكون حال الكاذب، والمنافق، والمفرط، والخائن للأمانة؟! كما قال بعض السلف: «إذا كان الصادقون يسألون، فماذا يقول الكاذبون؟!».
التدبر الإشاري:
النجاة في الصدق؛ فمن صدق الله في سره وعلنه صدقه الله وجازاه بالجنة، والصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تذكير الناس بحتمية السؤال والحساب بين يدي الله؛ والدعوة إلى مطابقة الأقوال للأفعال لتحقيق حقيقة الصدق.
التوجيه التربوي:
تربية الأبناء على قيمة الصدق والشجاعة في قول الحق، والتحذير من الكذب والمراوغة والخيانة.
التوجيه العملي:
محاسبة النفس ومراجعة العهود والمواثيق مع الله ومع الخلق؛ والحرص على تجريد الإخلاص والصدق في كل عمل وقول.
الوجدان الإيماني:
الوجل الشديد والرهبة من موقف السؤال والمساءلة الإلهية، والرجاء الصادق أن يجعلنا الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.