سياق الآية الكريمة وهوية المنعم عليه: يروي الشيخان البخاري (رقم 4787)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٨٧ ومسلم (رقم 1428)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٢٨ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن هذه الآية نزلت في زيد بن حارثة رضي الله عنه وزينب بنت جحش؛ وزيد هو الصحابي الجليل الوحيد الذي ذُكر اسمه صريحاً في القرآن العظيم تكريماً له وتعويضاً عما نُزع منه من النسبة إلى النبي حين أُبطل التبني؛ فأنعم الله عليه بالإسلام والهداية، وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعتق والمحبة والتربية والرعاية.
حقيقة الشقاق وأمر الإمساك: يوضح الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 272)جامع البيانالطبري٢٠/٢٧٢ وابن كثير (ج 6، ص 412)مصدر غير محدد٦/٤١٢ والقرطبي (ج 14، ص 180)مصدر غير محدد١٤/١٨٠ أن زيد بن حارثة بعد زواجه من زينب لم تستقم بينهما العشرة، وكانت زينب تفخر عليه بحسبها وشرفها ونسبها الهاشمي، فضاقت نفس زيد وجاء يشكوها مراراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في طلاقها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له ناصحاً: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ»، خشية الشقاق والطلاق.
تفسير {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} على التحقيق السني السلفي: يقرر ابن كثير والمحققون من أئمة أهل السنة أن ما أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه هو ما أعلمه الله به وأوحاه إليه من أن زينب ستكون زوجة له صلى الله عليه وسلم بعد أن يطلقها زيد، وذلك تشريعاً لإبطال حكم الجاهلية في تحريم زوجات الأدعياء (الأبناء بالتبني)؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستحيي من الناس ويخشى قالة المنافقين: "تزوج محمد زوجة ابنه!"، فلذلك كان يأمر زيدا بإمساكها صبراً وتأنياً، فعاتبه الله بلطف ومحبة على هذا الاستحياء؛ لأن أمره تعالى نافذ لا محالة ولابد من كسر هذه العادة الجاهلية عملياً.
تزويج الله لنبيه بنص الوحي الصريح: يروي البخاري في "صحيحه" (رقم 7420)مصدر غير محددحديث رقم ٧٤٢٠ عن أنس رضي الله عنه قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: "زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات!"، فكان وليها ومزوجها هو الله سبحانه دون ولي ولا شهود من البشر لأن نص القرآن أعظم عقد وإشهاد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ}: عطف على الصلة، فعل وفاعل ومجرور.
{أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ}: مقول القول في محل نصب؛ (أمسك) فعل أمر، والفاعل مستتر، والجار والمجرور متعلق بالفعل، و(زوجك) مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
{وَاتَّقِ اللَّهَ}: عطف، أمر مبني على حذف حرف العلة، واسم الجلالة مفعول به.
{وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ}: الواو حالية أو عاطفة، ومضارع مرفوع بالضمة المقدرة، والفاعل مستتر، وفي نفسك متعلق بتخفي.
{مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ}: (ما) اسم موصول مفعول به لـ (تخفي)، واسم الجلالة مبتدأ، و(مبديه) خبر المبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة وهو مضاف والهاء مضاف إليه مفعول لاسم الفاعل، والجملة صلة ما.
{وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ}: جملة حالية، والناس مفعول به؛ والواو حالية، واسم الجلالة مبتدأ، و(أحق) خبر، والمصدر المؤول (أن تخشاه) في محل نصب بنزع الخافض أي بأن تخشاه، أو بدل من أحق.
{عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ}: جار ومجرور خبر مقدم ليكون، و(حرج) اسم يكون مؤخر مرفوع بالضمة.
{فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ}: متعلق بنعت لحرج أو بخبر يكون.
{إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا}: ظرف لما يستقبل وجملة قضوا مضاف إليه، ووطراً مفعول به.
{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}: الواو تذييلية، كان واسمها وخبرها، أي قضاؤه نافذاً لا مرد له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة التشريع العملي لإسقاط التبني: ترتبط الآية بأول السورة ارتباطاً عضوياً مبهراً؛ فالسورة افتتحت في الآية (4) بإعلان المبدأ النظري: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ}، ثم جاءت هذه الآية لتطبق هذا الإلغاء على أرض الواقع في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبأشق ما يكون على النفوس من العادات؛ فالأمة لم تكن لتقتنع بإلغاء تحريم زوجة المتبنى إلا إذا باشر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بنفسه الشريفة ليقتدي به المؤمنون ويزول الحرج عنهم.
التصريح بالحكمة والعلة التشريعية الكبرى: صرح النظم بالعلة الصريحة للزواج: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا}، لقطع كل تأويل فاسد يربط هذه الزيجة برغبة شخصية، وبيان أنها كانت أمراً إلهياً وتشريعاً عاماً للأمة لرفع الحرج والمشقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة المستشرقين والمشككين حول قصة وقوع بصر النبي على زينب وإعجابه بها: روج بعض الرواة الإخباريين والمستشرقين الحاقدين روايات ساقطة باطلة ومكذوبة تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بيت زيد فرأى زينب حاسرة فوقعت في قلبه وعشقها، فلما علم زيد طلقها ليتزوجها النبي، وأولوا {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ} بحبها ورغبتها!
بطلان الرواية إسناداً ومتناً: يقرر أئمة التحقيق والجرح والتعديل كابن كثير، وابن العربي المالكي في "أحكام القرآن"، وابن حزم، والشنقيطي، أن كل الروايات التي تتحدث عن عشق النبي لزينب أو وقوع بصره عليها فجأة هي مراسيل ضعيفة وإسرائيليات مدسوسة من وضع الوضاعين ولا يصح منها شيء قط.
البرهان التاريخي والعقلي الساطع: زينب بنت جحش رضي الله عنها هي ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم (أميمة بنت عبد المطلب)، ولدت وتربت ونشأت تحت عينه ورآها منذ طفولتها وصباها قبل فرض الحجاب، وكان يعرف جمالها وشرفها معرفة تامة، ولو كان له رغبة شخصية فيها لتزوجها ابتداءً بكراً وهي تتمنى ذلك، بل كان هو الذي أصر على تزويجها لمولاه زيد بن حارثة رغم معارضتها الشديدة في الآية السابقة؛ فكيف يزعم عاقل أنه زهد فيها بكراً ثم عشقها ثيباً بعد أن تزوجت مولاه؟ هذا بهتان عظيم يكذبه المنطق والواقع.
التحقيق الصحيح لمعنى {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ}: ما أخفاه هو ما أوحاه الله إليه من أنه سيتزوجها بعد طلاقها لإلغاء التبني، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخشى كلام المنافقين والمشركين الذين يتربصون به ويقولون: "حرم علينا أزواج أبنائنا وتزوج امرأة ابنه زيد!"، فعوتب النبي صلى الله عليه وسلم على خشيته من ألسنة الناس؛ فالله أحق أن يخشاه في المبادرة إلى إعلان حكمه وتشريعه دون مبالاة بقالة السوء.
شهادة عائشة رضي الله عنها بطهارة الوحي: ثبت في "صحيح مسلم" (رقم 177)صحيح مسلممسلمحديث رقم ١٧٧ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِماً شَيْئاً مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ}"، فذكر الآية في القرآن المتلو إلى يوم القيامة بأعظم عتاب إلهي رقيق هو أكبر دليل على صدق نبوته وتجرده للوحي الإلهي.
نسبة التزويج إلى الله مباشرة: {زَوْجْنَاكَهَا} بإسناد الفعل إلى ضمير العظمة؛ تشريف خارق لم تنله امرأة في تاريخ البشرية؛ حيث كان العاقد هو رب العزة سبحانه في عليائه لرفع أي حرج تشريعي.
الكناية الفصيحة بالأوطار: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا}؛ كناية في منتهى الأدب والعفة عن انتهاء الرغبة الزوجية والطلاق الرضائي التام؛ فليس بعد قضاء الوطر إلا الفراق بإحسان.
التأكيد بالمصدر في الختام: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}؛ تقرير جازم بأن سنن الله وقضاءه ماضيان لا تحدهما تقاليد البشر ولا أعراف الجاهلية البائدة.
اللطائف التدبرية والإشارية:
تضحية القائد في سبيل المبدأ؛ لقد تحمل النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الأذى النفسي وحملات التشويه من المنافقين بزواجه من زينب، لكنه مضى في تنفيذ أمر ربه ليحرر الأمة كلها من أغلال التبني وتحريم الحلال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
كسر التقاليد والأعراف الفاسدة المخالفة للشرع؛ فالأعراف لا تسود على حكم الله، وعلى المصلحين الشجاعة في مواجهة العادات الخاطئة بالقدوة العملية.
اليقين بعصمة الأنبياء وطهارتهم، ووجوب الذود عن عرض النبي صلى الله عليه وسلم ودحض شبهات المستشرقين وأهل الأهواء بالعلم والتحقيق.
العمل والوجدان الإيماني:
استشعار عظمة السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها؛ مفخرة أمهات المؤمنين وأكرمهن أصلاً وزوجة، وصدقتها وبرها بالمساكين حتى كانت أسرع نساء النبي لحوقاً به بعد وفاته لكثرة صدقتها.
تقديم خشية الله على خشية الناس في كل أمر وحكم؛ فمن خشي الناس في ترك واجب أو فعل محرم وكله الله إليهم، ومن خشي الله كفاه الناس جميعاً.