تفسير أولوية النبي بالمؤمنين من أنفسهم بالأثر النبوي:
أخرج البخاري في صحيحه (رقم 2298)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٩٨ ومسلم في صحيحه (رقم 1619)مصدر غير محددحديث رقم ١٦١٩ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْناً فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ».
قال ابن جرير الطبري (21/124)مصدر غير محدد٢١/١٢٤: «يقول تعالى ذكره: النبي محمد صلى الله عليه وسلم أحق بالمؤمنين به وبنصرته، وطاعته، وإيثار أمره على أمور أنفسهم، وحكمه عليهم نافذ فوق حكم أنفسهم؛ فإذا دعاهم إلى بذل أرواحهم في سبيل الله وجب عليهم تقديم أمره على حفظ مهجهم».
تفسير {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} بالأثر:
قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: «أي أمهاتهم في التحريم والتوقير والاحترام والإكرام؛ فلا يحل لأحد من المسلمين أن ينكح امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته أبداً، ولكن لا يترتب على هذه الأمومة توارث، ولا يحل النظر والخلوة بهن لغير المحارم».
نسخ التوارث بالمؤاخاة وثبوت التوارث بالأرحام:
أجمع أئمة التفسير والسلف على أن قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} نسخت نظام التوارث بالمؤاخاة الذي شرعه النبي صلى الله عليه وسلم أول الهجرة بين المهاجرين والأنصار، وردت الميراث إلى القرابة النسبية والرحمية.
وقوله: {إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا}: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: «هو الوصية بالمال لغير الورثة من الإخوان والحلفاء والفقراء بما لا يتجاوز الثلث».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
أَوْلَىٰ: اسم تفضيل من الولاية، وهو الأحق والأجدر والأقرب بكل تدبير ونصرة ومحبة وطاعة.
أُولُو الأَرْحَام: أولو: أصحاب، والأرحام: جمع رَحِم، وهم ذوو القرابات النسبية من جهة الآباء والأمهات.
المَسْطُور: المكتوب المثبت في السطور؛ والمراد: في اللوح المحفوظ أو في أم الكتاب والقرآن.
الإعراب والوجوه النحوية:
{النَّبِيُّ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
{أَوْلَىٰ}: خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
{بِالْمُؤْمِنِينَ}: جار ومجرور متعلقان بأولى بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{مِنْ أَنفُسِهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بأولى، للمفاضلة.
{إِلَّا}: أداة استثناء منقطع (أو متصل إن جعل المعروف جزءاً من التوارث).
{أَن تَفْعَلُوا}: أن مصدرية ناصبة، تفعلوا مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل نصب على الاستثناء.
{إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم}: متعلقان بتفعلوا لتضمنه معنى تسدوا.
{مَعْرُوفًا}: مفعول به لتفعلوا منصوب بالفتحة (وهو الوصية والإحسان).
{كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}: كان واسمها وخبرها مسطوراً، وفي الكتاب متعلقان بمسطوراً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء هرم الولاية والروابط في المجتمع الإسلامي:
بعد أن أبطل الأبوة بالتبني في الآيتين السابقتين {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ}، وقطع التوارث بالأدعياء، كان قد يتوهم أحد أن علاقة النبي بأمته انقطعت أو ضعفت بنزع أبوة التبني عن زيد بن حارثة.
فجاءت هذه الآية العظيمة لتثبت للنبي صلى الله عليه وسلم ما هو أعظم وأشرف من مجرد الأبوة البيولوجية والتبني الصوري؛ فأثبتت له "الولاية العظمى والأبوة الدينية الروحية والتشريعية": {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}.
ثم أثبت لأزواجه مقام "أمهات المؤمنين" بالاحترام والتحريم؛ ثم نظم أواصر المجتمع بالرد إلى "أولي الأرحام" في التوارث، مع فتح باب الإحسان بالوصية والمعروف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين نفي أبوة النبي في آية {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} وبين قوله {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}: يزعم الطاعنون أن القرآن يناقض نفسه؛ فكيف ينفي أبوة محمد للرجال ثم يجعل أزواجه أمهات للمؤمنين، ولماذا لا يكون هو أباً لهم؟!
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة الفقهية والبلاغية:
يفرق التحقيق العلمي واللغوي المحكم بين جهتين لا تعارض بينهما:
نفي الأبوة في قوله {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ}: هو نفي لـ "الأبوة البيولوجية والنسبية وأبوة التبني"؛ فلا يترتب عليها محرمية المصاهرة ولا التوارث، ولذلك جاز له أن يتزوج من فارقها زيد بن حارثة بعد أن كان يدعى ابنه.
إثبات أمومة أزواجه {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}: هي "أمومة حرمة وتوقير وإكرام"؛ أي يحرم نكاحهن بعده كما تحرم الأمهات، وليست أمومة نسبية تجيز النظر والخلوة والميراث.
أما النبي صلى الله عليه وسلم في مرتبته مع المؤمنين: فهو "أولى بهم من أنفسهم"، وأبوته لهم هي "أبوة هداية وتعليم وشفقة دينية"؛ كما قرأ أبي بن كعب وابن عباس في القراءة التفسيرية: (وهو أبٌ لهم)، وكما صح في سنن أبي داود (رقم 8)مصدر غير محددحديث رقم ٨ عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ».
المفاضلة المطلقة في {أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}:
تقديم حق النبي على حق النفس؛ فإذا تنازعت رغبة النفس وشهوتها مع أمر رسول الله وجب تقديم أمره ومحبته وفدائه بالنفس والمال والولد؛ كما قال عمر بن الخطاب: «يا رسول الله، لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لَا يَا عُمَرُ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال: الْآنَ يَا عُمَرُ».
التشريف الخالد لأمهات المؤمنين:
إضفاء لقب "أم المؤمنين" على أزواج النبي رضي الله عنهن إلى قيام الساعة؛ تاج عزة وفضيلة لا يدانيه شرف نسوي في الوجود.
التدبر الإشاري:
مقتضى ولاية النبي على نفسك: ألا تقدم هواك أو عقلك أو قول أحد من البشر على سنته الشريفة؛ فإن فعلت فقد خالفت مقتضى كونه أولى بك من نفسك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
ترسيخ محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره والدفاع عن جنابه وعن أمهات المؤمنين الطاهرات المطهرات من طعون الحاقدين والمستشرقين.
التوجيه التربوي:
تربية الأبناء على صلة الأرحام وبر القرابات وإعطائهم حقوقهم؛ والاهتمام بالوصية الشرعية للأقارب غير الوارثين بالمعروف.
التوجيه العملي:
كثرة الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم؛ وتقديم محبته وسنته على رغبات النفوس وشهواتها.
الوجدان الإيماني:
امتلاء القلب بمشاعر الحب العارم والولاء المطلق للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ واستشعار عظيم المنة بهدايته لنا.