محاصرة الأسباب الأرضية وتجريد التوحيد: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 220)جامع البيانالطبري٢٠/٢٢٠ بسنده عن قتادة، أن الآية خطاب للمنافقين الذين ظنوا أن البيوت والحصون والفرار تعصمهم وتمنعهم من بأس الله، فقال الله لنبيه: قل لهم يا محمد: من ذا الذي يدفع عنكم قضاء الله وقدره إن أراد بكم سوءاً من الهزيمة أو الجائحة أو القتل أو الموت، أو من ذا الذي يقدر على حرمانكم إن أراد بكم رحمة من النصر والظفر والسلامة والرزق؟
بيان ابن كثير والقرطبي لعموم الإرادة ونفوذها: يوضح ابن كثير (ج 6، ص 390)مصدر غير محدد٦/٣٩٠ أن الآية تقرر انفراد الله التام بالتصرف في كونه وملكه؛ فلا عاصم يعصم من قضائه إذا نزل السوء، ولا مانع يمنع فضله إذا أراد الرحمة، كقوله تعالى في سورة فاطر: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ}. ويذكر القرطبي (ج 14، ص 150)مصدر غير محدد١٤/١٥٠ أن ختام الآية {وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} قطع لكل ولاية متوهمة من قبيلة أو حلفاء أو أحزاب؛ فالولي هو الذي يتولى جلب المنفعة، والنصير هو الذي يدفع الضر والمكروه، وكلاهما مفقود من دون الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يَعْصِمُكُم}: العصمة هي المنع والحماية والحفظ والإمساك عن الهلاك؛ وعصمه الطعام من الجوع منعه.
{سُوءًا}: كل ما يسوء الإنسان ويحزنه من مصيبة، أو هزيمة، أو قتل، أو هلاك.
{رَحْمَةً}: الخير، والظفر، والنصر، والغنيمة، والعافية في الدنيا والآخرة.
{وَلِيًّا}: القريب الناصح الذي يلي شؤونك ويسعى في مصلحتك وجلب النفع لك.
{نَصِيرًا}: المعين المدافع الذي يدفع عنك عدوان المعتدين وينجيك من الشر.
الإعراب والتركيب النحوي:
{قُلْ}: فعل أمر، وفاعله مستتر.
{مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم}: (من) اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ، و(ذا) اسم إشارة مبني في محل رفع خبر، و(الذي) بدل من ذا أو نعت، وجملة (يعصمكم) صلة الموصول لا محل لها، والكاف مفعول به والفاعل مستتر يعود على الموصول.
{مِّنَ اللَّهِ}: جار ومجرور متعلق بـ (يعصمكم) لتضمنه معنى يمنعكم أو ينجيكم من أمره وقضائه.
{إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا}: (إن) شرطية، (أراد) فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل، و(سوءاً) مفعول به منصوب، وجواب الشرط محذوف يدل عليه الاستفهام السابق أي: إن أراد بكم سوءاً فلا عاصم يعصمكم.
{أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً}: عطف على الجملة الشرطية، وفي الكلام احتباك بليغ تقديره: أو من ذا الذي يمنعكم أو يمسك عنكم إن أراد بكم رحمة، فحذف لدلالة الأول عليه.
{وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}: الواو استئنافية أو عاطفة، (لا) نافية، (يجدون) مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، (لهم) متعلق بيجدون أو بحال محذوفة، (من دون الله) متعلق بيجدون، و(ولياً) مفعول به أول، و(نصيراً) معطوف عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة التجريد العقدي وقطع حبال الأوهام: تبلغ السلسلة الحجاجية ذروتها في هذه الآية؛ فبعد أن أثبتت الآية (16) عبثية الفرار في تأخير الأجل، جاءت الآية (17) لتؤسس لأصل الأصول العقدي: ألا فاعل في الكون على الحقيقة إلا الله؛ فلا الأحزاب تملك إيقاع السوء إلا بإذن الله، ولا حصون المدينة وخنادقها تملك جلب النصر إلا برحمة الله ومشيئته.
بلاغة الاحتباك والتوازن الدلالي: يقابل النظم بين {سُوءًا} و{رَحْمَةً}، وبين طلب الحماية والعصمة؛ ليحيط بالمشاعر البشرية كلها: الخوف من المكروه والرجاء في المحبوب، فيربط الأمرين بمشيئة الملك القدوس وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض الظاهري بين عصمة السوء وعصمة الرحمة: يقول المعترض: إن ظاهر اللفظ {مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} يفيد أن العصمة تكون من الرحمة، والعصمة إنما تكون من المكروه لا من المحبوب، فكيف يعصمهم من الرحمة؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
أسلوب الاحتباك البلاغي: هذا من أعلى أساليب الإيجاز البلاغي في القرآن العظيم المسمى بـ "الاحتباك"؛ وهو أن يحذف من الأول ما أثبته في الثاني، ويحذف من الثاني ما أثبته في الأول لدلالة المعنى عليه؛ فالأصل: من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً، أو من ذا الذي يمسك رحمته إن أراد بكم رحمة، فحذف مقابل كل منهما اختصاراً وبلاغة لظهور المراد.
تضمين الفعل لمعنى الحائل والمانع: إن العصمة تتضمن معنى المنع والحيلولة المطلقة؛ فيصير المعنى: من ذا الذي يحول بينكم وبين قضائه إن أراد بكم سوءاً، ومن ذا الذي يحول بينكم وبين فضله إن أراد بكم رحمة.
التوحيد التام للنفع والضر: الآية تقطع كل التفات للأسباب الشركية؛ فالمشركون والمنافقون كانوا يتوهمون أن التحالفات السياسية والقوى العسكرية تملك استجلاب الخير ودفع الشر استقلالاً، فنسف القرآن هذا الوهم وأثبت أن التصرف المطلق للنفع والضر محصور في قدرة الله وحدها.
الاستفهام الإنكاري المتضمن معنى النفي القاطع: {مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم}؛ صيغة استفهام إنكاري تثير العقل وتلزمه بالاعتراف بالعجز المطلق؛ إذ لا وجود لأحد في الوجود يستطيع أن يقف أمام إرادة الله تعالى.
الاحتباك البديع: حذف المعادل في الشقين كما بيناه آنفاً، مما يعطي العبارة إيجازاً وقوة إيقاعية نافذة في القلوب.
الجمع بين نفي الولاية والنصرة: {وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}؛ نفي مستغرق؛ لأن الإنسان إما أن يطلب من غيره جلب منفعة (وهو الولي)، وإما أن يطلب منه دفع مضرة (وهو النصير)، فنفت الآية وجود الأمرين من دون الله، ليبقى العبد معلقاً بخالقه وحده.
اللطائف التدبرية والإشارية:
التوحيد هو الحصن الحصين للأمة في مواجهة العواصف؛ فإذا علم المجاهدون أن رقاب أعدائهم بيد الله، وأن الأحزاب لا يحركون ساكناً إلا بأمره، زالت من قلوبهم مهابة المخلوق وحلت محلها مهابة الخالق ومحبته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تجريد التوكل على الله في مناهج الدعوة والتربية؛ وتربية النفوس على أن الأسباب المشروعة إنما يؤخذ بها تعبداً لله وامتثالاً لأمره، مع قطع التوكل القلبي عليها وتعليقه بمسبب الأسباب.
مواجهة التهديدات الخارجية التي تساق لترويع المسلمين باليقين بهذه الآية؛ فإن الأعداء لا يملكون إيقاع سوء لم يرده الله، ولن يستطيعوا منع رحمة قضاها الله لأوليائه.
العمل والوجدان الإيماني:
تفويض الأمور كلها إلى الله والرضا بقضائه؛ مستشعراً عظمة قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
التبرؤ من الحول والقوة، والاستغناء بالله عن سائر الخلق؛ فلا يتذلل المؤمن لباطل ولا ينافق طاغية طمعاً في نفع أو خوفاً من ضرر.