قال ابن جرير الطبري (21/119)مصدر غير محدد٢١/١١٩: «يقول تعالى ذكره: وفوض يا محمد أمرك كله إلى الله وثق به في نصرتك وإظهار دينك وقهر أعدائك، ولا تخف مكر الكافرين ولا خديعة المنافقين؛ {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا} يقول: وحسبك الله حفيظاً وقائماً بأمرك، يكفيك ما أهمك من أمر دينك ودنياك، وينجز لك ما وعدك».
ونقل ابن كثير (6/364)مصدر غير محدد٦/٣٦٤: «{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}: أي في جميع أمورك وأحوالك؛ فإنه ناصرك ومؤيدك ومظهرك على من عاداك، {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا} أي كفى به حفيظاً لمن توكل عليه وأناب إليه».
وقال السعدي (ص 656)مصدر غير محدد٦٥٦: «التوكل هو تفويض الأمر إلى الله مع الثقة بكفايته وبذل الأسباب المشروعة؛ ومن توكل على الله كفاه كل ما أهمه، وأغناه عن كل وكيل سواه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
التَّوَكُّل: لغةً: إظهار العجز والاعتماد على الغير وتفويض الأمر إليه، وفي الشرع: صدق اعتماد القلب على الله تعالى في استجلاب المصالح ودفع المضار مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
الوَكِيل: الفَعِيل بمعنى الفاعل والمفعول؛ وهو الحفيظ الكفيل القائم بتدبير شؤون موكله وحمايته ورعايته على أتم الوجوه وأحكمها.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَتَوَكَّلْ}: الواو عاطفة، توكل فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{عَلَى اللَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بتوكل.
{وَكَفَىٰ}: الواو استئنافية، كفى فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر.
{بِاللَّهِ}: الباء حرف جر زائد للإعراب تأكيداً، لفظ الجلالة مجرور لفظاً مرفوع محلاً على أنه فاعل كفى.
{وَكِيلًا}: تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره (أو حال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الثالوث القيادي الخالد في إدارة الصراع:
انتظمت الآيات الثلاث الأولى في منظومة قيادية ومنهاجية متكاملة لنجاح الدعوة والأمة:
الآية الأولى: التقوى والحذر من العدو: {اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} (التحصين الداخلي والمفاصلة).
الآية الثالثة: التوكل على الله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا} (الوقود النفسي والاعتماد على القوة العليا).
هذا التسلسل النظمي يمثل أعظم ركائز البناء القيادي والروحي؛ فلا ثبات بغير تقوى، ولا مسار بغير وحي، ولا قوة بغير توكل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التواكل وإسقاط الأسباب وتناقض التوكل مع الإعداد المادي: يدعي بعض المستشرقين واللادينيين أن مفهوم "التوكل" في الإسلام يكرس التواكل والكسل والقعود عن مواجهة الأخطار بالأسلحة والعلوم.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تسفه السورة نفسها هذا الزعم؛ فالآيات نزلت في سياق "غزوة الخندق" حيث حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق بأيديهم، وأعدوا السلاح، وربطوا الحجارة على بطونهم من الجوع، وسهروا يحرسون الثغور!
فالمنهج الإسلامي يوجب الأخذ بجميع الأسباب المادية المتاحة كأنها كل شيء، ثم التوكل القلبي الصادق على مسبب الأسباب كأن الأسباب لا شيء!
إن تجريد التوكل من الأسباب جهل بالشريعة، والاعتماد على الأسباب دون الله شرك في العقيدة؛ والجمع بينهما هو عين العقل والكمال النبوي.