انقلاب المودة والتبعية إلى لعن وعداوة ضارية: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 345)جامع البيانالطبري٢٠/٣٤٥ وابن كثير (ج 6، ص 451)مصدر غير محدد٦/٤٥١ عن قتادة ومجاهد والضحاك، أن الأتباع لما عاينوا فداحة العذاب الذي أوردهم إياه قادتهم، تحولت مودتهم الجاهلية إلى غل وحقد وانتقام، وتوجهوا بالدعاء على سادتهم وكبرائهم فقالوا: {رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ}؛ أي عذبهم مثلين مضاعفين من العذاب: ضعفاً على كفرهم في أنفسهم، وضعفاً على إضلالهم لنا وصدهم إيانا عن الحق؛ {وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} أي اطردهم من رحمتك طرداً مضاعفاً شديداً لا ينقطع.
القراءات المتواترة في (كبيرا): قرأ الجمهور من السبعة {لَعْنًا كَبِيرًا} بالباء الموحدة (من الكِبَر والعظمة في الشدة والقدر)، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر (شعبة) {لَعْنًا كَثِيرًا} بالثاء المثلثة (من الكثرة في العدد والدوام وتكرار اللعن)؛ وكلا المعنيين متكاملان في الدلالة على استغراق اللعن في الكيف والكم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{ضِعْفَيْنِ}: الضعف هو المثل؛ والضعفان هما مثلان إضافيان للعذاب؛ أي عذاباً مضاعفاً يوازي جرم الإضلال.
{كَبِيرًا}: العظيم الشديد الشاق الذي لا طاقة لأحد به.
الإعراب والتركيب النحوي:
{رَبَّنَا}: منادى مضاف محذوف الأداة.
{آتِهِمْ}: فعل دعاء وأمر مبني على حذف حرف العلة، والفاعل مستتر تقديره أنت، وهم مفعول به أول في محل نصب.
{ضِعْفَيْنِ}: مفعول به ثان منصوب بالياء لأنه مثنى.
{مِنَ الْعَذَابِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ (ضعفين).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة المشهد التراجيدي في جهنم: تمثل هذه الآية الخاتمة المأساوية للعلاقة بين المستكبرين والمستضعفين؛ فحين كان الأتباع يصفقون لسادتهم في الدنيا ويموتون في سبيل رغباتهم، صار أقصى أمانيهم في الآخرة أن يروا سادتهم يتلظون بضعفي العذاب واللعن الشديد؛ فتلاشت الروابط القومية والحزبية وحلت اللعنات المتبادلة.
التطابق مع سائر سور القرآن: يماثل هذا النظم ما جاء في سورة الأعراف (آية 38): {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ}؛ فالجميع في العذاب مشتركون، ولكل نصيبه بما كسبت يداه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل يستجاب دعاء أهل النار في بعضهم البعض: يسأل سائل: هل يستجيب الله دعاء هؤلاء الكفار على سادتهم فيعطيهم ضعفين من العذاب؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الاستجابة واقعة بمقتضى العدل الإلهي لا إكراماً للداعين: الله تعالى يضاعف العذاب لقادة الضلال بمقتضى عدله وحكمته؛ لأن من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، كما صرح في الأعراف: {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ}؛ فللقادة ضعف على كفرهم وإضلالهم، وللأتباع ضعف على كفرهم وتقليدهم ومظاهرتهم للظلم.
بطلان الشفاعة والرحمة في النار: دعاؤهم هذا ليس دعاء عبادة مقبولة، بل هو صراخ العاجز الحانق المتحسر الذي يرى سبب شقائه فيشتفي بطلب العذاب له؛ ولا يخفف ذلك من عذاب الداعي مثقال ذرة.
بيان المصير المحتوم لكل من قاد الناس إلى الردة والفساد في الأرض؛ فالقائد المضل محمل بأوزار الملايين من أتباعه.