العهد المأخوذ وسياقه التاريخي: يذكر الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 217)جامع البيانالطبري٢٠/٢١٧ وابن كثير (ج 6، ص 389)مصدر غير محدد٦/٣٨٩ أن المعنيين بالآية هم طائفة من الأنصار من بني حارثة وغيرهم ممن فروا أو هموا بالفرار يوم أحد، فأنزل الله فيهم: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا}، فندموا بعد أحد وعاهدوا الله ورسوله ألا يفروا أبداً ولا يولوا الأدبار في مشهد يشهدونه مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء يوم الأحزاب نكثوا هذا العهد القديم وطلبوا الفرار واستأذنوا في الرجوع إلى البيوت.
تفسير السؤال عن العهد: يوضح القرطبي (ج 14، ص 148)مصدر غير محدد١٤/١٤٨ والسعدي (ص 660)مصدر غير محدد٦٦٠ أن قوله {وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} إخبار جازم بأن الله تعالى سيسأل العبد يوم القيامة عما عاهد عليه ربه: هل وفى به فيثاب، أم غدر ونكث فيعاقب بأشد العذاب؟ ونظيره قوله تعالى في سورة الإسراء: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{عَاهَدُوا}: المعاهدة صيغة مفاعلة تقتضي طرفين؛ وهي إعطاء الميثاق المؤكد بالله على لزوم أمر واجتناب غيره.
{يُوَلُّونَ}: التولية هي جعل الشيء وراء الظهر؛ وتولية الدبر كناية لغوية فصيحة مشهورة عن الهزيمة والفرار من الزحف.
{الْأَدْبَارَ}: جمع دُبُر، وهو خلف الشيء وظهره، ونقيض القُبُل.
{مَسْئُولًا}: اسم مفعول من السؤال؛ أي مطلوباً وفاؤه، ومساءلاً صاحبه عنه للمجازاة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ}: الواو استئنافية، واللام واقعة في جواب قسم محذوف (والله لقد)، و(قد) حرف تحقيق، (كانوا) فعل ماض ناقص واسمه، وجملة (عاهدوا الله) في محل نصب خبر كان، واسم الجلالة مفعول به.
{مِن قَبْلُ}: جار ومجرور مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظاً لا معنى متعلق بـ (عاهدوا).
{لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ}: (لا) نافية، و(يولون) فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، و(الأدبار) مفعول به ثان لـ (يولون) لتضمنه معنى يعطون، أو مفعول به مباشر، والجملة في موضع جواب القسم الذي تضمنه العهد (لأن المعاهدة في معنى اليمين)، أو في محل نصب بدل من العهد أو مفعول ثان بحذف حرف الجر (على ألا يولوا).
{وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا}: الواو استئنافية أو تذييلية، (كان) فعل ماض ناقص، (عهد) اسمها وهو مضاف واسم الجلالة مضاف إليه، و(مسؤولاً) خبر كان منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة الحجة الأخلاقية والشرعية القاطعة: بعد أن فضح النظم جبنهم الداخلي وتهالكهم على الشرك في الآيات السابقة، جاءت هذه الآية لتدينهم بموجب التزاماتهم الموثقة؛ فهم لم يخالفوا أمراً جديداً مفاجئاً، بل نقضوا عهداً قطعوه على أنفسهم بمحض إرادتهم وتوبوا منه بعد غزوة أحد، مما يثبت تجذر الغدر ونقض المواثيق في جبلتهم النفاقية.
الختام بالوعيد المهيب: جاء تذييل الآية {وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} ختاماً بالغ الروعة والجلال؛ فبعد تفصيل نكوصهم عن العهد، قطع التذييل كل مبرر وذكّر بمحكمة العدل الإلهية التي لا تضيع فيها المواثيق، محولاً الخطاب من مجرد سرد تاريخي إلى درس دائم ملزم لكل من عاهد ربه على الثبات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة سقوط العهد بالضرورة وتغير الظروف الميدانية: يزعم المنافقون ومن يبرر لهم أن العهد الذي قطعوه يوم أحد كان مشروطاً بالاستطاعة والقتال الميداني المتكافئ، بينما وقعة الأحزاب كانت طوفاناً لا قبل للبشر به، والضرورات تبيح نقض الالتزام لحفظ النفوس.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
حقيقة عهد البيعة والقتال: إن العهد على عدم تولية الأدبار إنما شُرع أصلاً للأوقات العصيبة والمواقف المهولة؛ إذ لا معنى للعهد على الثبات في أوقات الراحة والرخاء؛ فإسقاط العهد عند مجيء الشدة إبطال لحقيقة العقد نفسه واستهزاء بميثاق الله.
لا ضرورة تسقط أصل الدين والدفاع عن الجماعة: إن فرارهم لم يكن لحفظ النفوس، بل كان انتحاراً جماعياً للجماعة المسلمة كلها وتسليماً للأعراض لسيوف المشركين؛ فالمحافظة على النفس بتمكين العدو من استئصال الأمة كلها ضرب من السفه والجهل العقلي المطبق.
إن العهد كان مع الله العليم بما تخفي الصدور: والله تعالى قد أحاط علمه بكل ظرف ومكروه، فمن عاهد ربه استمد القوة من معيته، لا من رصيد قوته الذاتية، ونكث العهد دليل على انقطاع التوكل على الله وسوء الظن به.
كل عهد يعقده المسلم مع إخوانه أو قيادته أو مع ربه في طاعة، هو في الحقيقة عهد مع الله؛ لأن الله هو الرقيب والمشهد عليه، والمسؤولية عنه قائمة يوم تبلى السرائر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
غرس قيمة الوفاء بالعهود في نفوس الأجيال، وبيان أن نكث العهد والغدر من أخص خصال النفاق التي تورث غضب الجبار والذلة في الدنيا والآخرة.
الحذر من التسرع في قطع العهود والنذور دون الاستعداد لتحمل تبعاتها؛ فإذا عاهد المرء لزمه الوفاء مهما بلغت التضحيات.
العمل والوجدان الإيماني:
محاسبة النفس على العهود السابقة: كم من عهد قطعناه مع الله في ساعات المرض أو الشدة بالاستقامة وترك المعاصي، ثم نكثناه عند الفرج؟ فليتذكر العبد أن عهد الله كان مسؤولاً.
الثبات على بيعة الإيمان والتضحية لنصرة الدين، وتوطين النفس على عدم التراجع أمام الصعوبات الميدانية والدعوية.