تفسير القنوت ومضاعفة الأجر لأمهات المؤمنين: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 253)جامع البيانالطبري٢٠/٢٥٣ وابن كثير (ج 6، ص 402)مصدر غير محدد٦/٤٠٢ عن مجاهد وقتادة، أن القنوت هو دوام الطاعة والخضوع والانقياد لله ورسوله؛ فمن أطاعت الله ورسوله من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وعملت صالحاً ابتغاء وجهه، يؤتها الله ثواب عملها مرتين؛ أي ضعفي ثواب سائر النساء الصالحات، جزاء على طاعتها وصبرها على ضيق العيش وشرف الاقتداء بهديه صلى الله عليه وسلم.
تفسير الرزق الكريم: يذكر القرطبي (ج 14، ص 170)مصدر غير محدد١٤/١٧٠ والسعدي (ص 663)مصدر غير محدد٦٦٣ أن {رِزْقًا كَرِيمًا} هو نعيم الجنة الخالد، ووصف الرزق بالكريم لأنه لا كدر فيه، ولا منّ، ولا فناء، وهو مشمل على رتبة الصديقين وقرب الجوار من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين.
القراءات المتواترة: قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف {وَمَن يَقْنُتْ... وَيَعْمَلْ... نُؤْتِهَا} بالياء في الأفعال لمراعاة لفظ (مَن)، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر {وَتَعْمَلْ... نُّؤْتِهَا} بالتاء لمراعاة المعنى المؤنث، وقرأ بعضهم بنون العظمة {نُّؤْتِهَا} وبالياء {يُؤْتِهَا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يَقْنُتْ}: القنوت هو لزوم الطاعة مع الخشوع والسكون؛ وقنت الرجل إذا أطال القيام في صلاته وأخلص عمله لربه.
{أَعْتَدْنَا}: هيأنا وأعددنا في علمنا وقدرتنا مسبقاً.
{كَرِيمًا}: الكريم هو الحسن البهي الواسع الذي يملأ النفس بهجة ورضا.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ}: الواو عاطفة، (من) اسم شرط جازم مبتدأ، (يقنت) فعل الشرط مجزوم بالسكون، وفاعله مستتر يعود على من، و(منكن) جار ومجرور في محل نصب حال.
{لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}: متعلق بـ (يقنت)، والواو عاطفة ورسوله معطوف.
{وَتَعْمَلْ صَالِحًا}: معطوف على فعل الشرط مجزوم، و(صالحاً) مفعول به أو نعت لمصدر محذوف (عملاً صالحاً).
{نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ}: جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة (نؤتِ) وفاعله مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به أول، و(أجرها) مفعول به ثان، و(مرتين) مفعول مطلق مبين للعدد منصوب بالياء أو حال من الأجر.
{وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا}: الواو عاطفة، أعتدنا فعل وفاعل، ولها متعلق بالفعل، و(رزقاً) مفعول به، و(كريماً) نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إشراق الرجاء بعد إرهاب التخويف: جاءت هذه الآية كالنور المبين المعادل لآية التخويف السابقة؛ فكما أن المعصية إن وقعت تضاعف ضعفين، فإن الطاعة والإحسان يضاعفان مرتين مع زيادة الكرم والإعداد الإلهي المسبق للرزق الكريم، مما يبرهن على أن فضل الله ورحمته يسبقان غضبه.
الجمع بين القنوت والعمل الصالح: خص القنوت أولاً (لأنه استقرار الطاعة والخشوع في الباطن)، ثم عطف عليه العمل الصالح (وهو تجلي تلك الطاعة في الجوارح والأفعال)؛ لبيان أن مضاعفة الأجر تستلزم استقامة القلب والجوارح معاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المفاضلة والتفرقة في ميزان الحسنات: قد يتساءل البعض: كيف يعطى إنسان أجرين على عمل واحد لمجرد قربه من النبي صلى الله عليه وسلم، ألا يتعارض ذلك مع العدالة والمساواة بين المكلفين؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
مضاعفة الأجر مبنية على مضاعفة المشقة والتضحية؛ فأمهات المؤمنين صبرن على حياة الفقر والزهد، وتحملن حرمان الدنيا، وصبرن على ثقل الوحي في بيوتهن، وكن تحت رقابة الأمة كلها ومطالبات بأن يكن القدوة في كل تصرف؛ والمشقة تجلب الزيادة في الأجر شرعاً وعقلاً.
التكافؤ التام بين المغنم والمغرم: فالعدالة الإلهية قائمة على التوازن المطلق؛ فكما أن العقوبة ضوعفت عليهن في الآية السابقة في حال المخالفة، كان من مقتضى العدل أن يضاعف لهن الثواب في حال الإحسان؛ فلم تكن الزيادة محاباة بل جزاء وفاقاً على حمل الأمانة الثقيلة.
إن أمهات المؤمنين كن ينفقن ويعلمن الأمة وينقلن دقائق السنة النبوية في داخل البيت النبوي، فكان عملهن متعدياً نفعه لكل الأجيال اللاحقة، والعمل المتعدي أجره مضاعف بالضرورة.
التعبير بالنون في (نؤتها) و(أعتدنا): نون العظمة الإلهية التي تفيد تولّي الحق سبحانه بنفسه العلية مكافأتهن وإكرامهن وإعداد مقامهن، وفي ذلك غاية التشريف والتعظيم.
تنكير (رزقاً كريماً): للتفخيم المطلق؛ ليدل على عطاء لا ينقطع ولا يحصى، يتجاوز كل ما يخطر على قلب بشر من نعيم الجنة.
مراعاة اللفظ والمعنى في الضمائر: التناوب البديع بين التذكير مراعاة للفظ (من) في قراءة حمزة والكسائي، والتأنيث مراعاة لمعنى أمهات المؤمنين، يعطي مرونة إعجازية في جرس الكلمات وتوازن الفواصل.
اللطائف التدبرية والإشارية:
من قنت لله ورسوله في موطن الغربة والشدة أثابه الله من فيض كرمه أضعافاً مضاعفة؛ فدوام الطاعة يفتح أبواب الكرامات ورفيع الدرجات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
ترغيب الأمة في عبادة "القنوت" ولزوم الطاعة؛ فالمؤمن الحقيقي هو الذي يدوم على العبادة في السراء والضراء، ولا ينقطع عن ربه بعد انقضاء الأزمات.
تشجيع المرأة المسلمة على التميز والإحسان في بيتها وفي مجتمعها؛ فالمرأة الصالحة القانتة ترفع درجات أسرتها وتنال أعظم البشارات.
العمل والوجدان الإيماني:
محاسبة النفس على تحقيق القنوت: هل نحن قانتون لله في صلواتنا وخلواتنا؟
الشوق إلى "الرزق الكريم" في جنات النعيم؛ مما يزهد القلب في زخارف الدنيا الفانية ويجعله مستعداً للتضحية في سبيل الله.