أبدية عذاب الكفار وانقطاع المنجيات: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 341)جامع البيانالطبري٢٠/٣٤١ وابن كثير (ج 6، ص 449)مصدر غير محدد٦/٤٤٩ عن قتادة ومجاهد والضحاك، أن المعنى: ماكثين في نار جهنم مكوثاً سرمداً لا نهاية له، ولا ينقطع عذابهم، ولا يموتون فيها ولا يحيون، ولا يجدون لهم في ذلك الموقف الرهيب ولياً يواليهم أو يشفع لهم ويدفع عنهم بأس الله، ولا نصيراً ينصرهم بالقوة ويخرجهم من سعيرها.
تفسير انتفاء الولاية والنصرة: يوضح القرطبي (ج 14، ص 253)مصدر غير محدد١٤/٢٥٣ والسعدي (ص 673)مصدر غير محدد٦٧٣ أن الولي هو القريب الذي يجلب المنفعة والشفاعة، والنصير هو المعين الذي يدفع الضر والمكروه؛ وكلاهما مفقود من دون الله للكفار في دار الشقاء؛ فتتقطع بهم الأسباب وتسقط كل الآمال الزائفة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{خَالِدِينَ}: الخلود هو البقاء الدائم المستمر الذي لا يعتريه فناء ولا موت.
{أَبَدًا}: اسم للدهر والزمان الممتد في المستقبل إلى غير نهاية.
{وَلِيًّا}: المحب الصديق الشافع الذي يلي شأنك بالمودة والمعونة.
{نَصِيرًا}: القوي المدافع المانع الذي يدفع عنك العذاب والهلاك.
الإعراب والتركيب النحوي:
{خَالِدِينَ}: حال منصوبة بالياء من الضمير المجرور في (لهم) في الآية السابقة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قطع كل حبال الرجاء للظالمين: الآية تغلق كل منافذ الأمل والنجاة؛ فبعد أن أثبتت الآية السابقة إعداد السعير، جاءت هذه الآية لتسد أربعة أبواب من النجاة:
أمل انقضاء المدة: سده بـ {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}.
أمل الموت والاستراحة: منتفٍ بالخلود.
أمل الشفاعة والقربى: سده بنفي {وَلِيًّا}.
أمل المقاومة واستنقاذ القوة: سده بنفي {وَلَا نَصِيرًا}.
المقابلة مع الآية (17): تطابق نفي الولاية والنصرة هنا {لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} مع ما قرره في مطلع السورة في الآية (17): {وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}؛ لبيان أن قانون التوحيد واحد في الدنيا والآخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة فناء النار وخروج الكفار منها: حاول بعض المعطلة أو الشذاذ إثارة شبهة فناء نار الكفار استناداً إلى بعض الآثار الضعيفة أو تأويلات فاسدة.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
صراحة التأبيد في نصوص القرآن المحكمة: هذه الآية نص قاطع محكم صريح جمع بين وصفي "الخلود" و"التأبيد": {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}، وجاء هذا التركيب في ثلاثة مواضع من كتاب الله في حق الكفار (في النساء، والأحزاب، والجن)؛ والجمع بين اللفظين ينفي أي احتمال للمجاز أو انقطاع المدة باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة.
إجماع الصحابة وأهل السنة: أجمع سلف الأمة وأئمتها المحققون على أن نار الكفار مؤبدة لا تفنى ولا تبيد، وأن عذاب الكفار فيها دائم سرمداً: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ}، وقوله: {فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا}.
انقطاع الشفاعة عن الكفار: قوله {لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} يقطع بأن شفاعة الأنبياء والصالحين خاصة بأهل التوحيد من عصاة الموحدين، ولا نصيب فيها لمشرك ولا كافر قط: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}.
التأكيد بـ (أبداً) بعد (خالدين): لدفع أي توهم بأن الخلود هو المكث الطويل كما في بعض استعمالات العرب، فجاء التأبيد نصاً في الاستمرار اللانهائي.
تقديم نفي الولي على النصير: لأن الإنسان إذا وقع في ورطة يبحث أولاً عن الشفيع والمحب والوسيط (الولي)، فإذا يئس منه بحث عن القوة والمقاتل لإنقاذه (النصير)، فنفى القرآن الأمرين معاً.
اللطائف التدبرية والإشارية:
الأمان الحقيقي هو ولاية الله في الدنيا؛ فمن والى الله في دنياه تولاه الله في أخراه وكان وليه ونصيره، ومن أعرض عن ولاية الله بقي بلا ولي ولا نصير يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
ترسيخ عقيدة الخلود الأبدي في الجنة والنار، والتحذير من المفاهيم التميعية التي تهون من شأن الكفر والخلود في العذاب.
تذكير الناس بأن الدنيا دار ممر وامتحان، وأن الأبدية الحقيقية هناك؛ فالعاقل من ضحى بسنوات فانية ليفوز بالأبد المنعم.
العمل والوجدان الإيماني:
الخوف والوجل من عذاب النار وسؤال الله السلامة والعافية في كل وقت.
التمسك بتوحيد الله وإفراده بالولاية؛ فلا نرجو سواه ولا نخاف غيره.