الأمر بالتقوى وضبط اللسان بالقول السديد: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 348)جامع البيانالطبري٢٠/٣٤٨ وابن كثير (ج 6، ص 452)مصدر غير محدد٦/٤٥٢ عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، أن الله تعالى لما نهى المؤمنين عن أذية نبيهم ومشابهة الذين آذوا موسى، أمرهم بما يعصم ألسنتهم وجوارحهم من الزلل؛ فأمرهم بالتقوى (وهي مراقبة الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه)، وأمرهم بـ {قَوْلًا سَدِيدًا}؛ وهو القول الصواب، المستقيم، الحق، العدل، الذي لا اعوجاج فيه ولا كذب ولا خيانة ولا بهتان.
بيان أنواع القول السديد: يذكر القرطبي (ج 14، ص 258)مصدر غير محدد١٤/٢٥٨ أن القول السديد يجمع:
كلمة الإخلاص: "لا إله إلا الله".
الصدق في الحديث والمواقف.
القول الحق المطابق للأمر الشرعي.
الإصلاح بين الناس، والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
كل قول يتقرب به إلى الله ويجتنب به الزور والافتراء على الرسل والمؤمنين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{اتَّقُوا}: التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله وسخطه بطاعته واجتناب معصيته.
{سَدِيدًا}: السديد هو القاصد المستقيم الصائب؛ مأخوذ من سداد السهم إذا أصاب هدفه دون ميل، ومنه السد الذي يسد الخلل ويسوي الثغرة.
{اتَّقُوا اللَّهَ}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، واسم الجلالة مفعول به.
{وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}: عطف، فعل وفاعل، و(قولاً) مفعول مطلق مؤكد لعامله منصوب أو مفعول به، و(سديداً) نعت منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وضع صمام الأمان اللفظي والسلوكي: هذه الآية تمثل القاعدة الوقائية الكبرى لحماية المجتمع من كل الآفات التي حذرت منها السورة (أذية النبي، الطعن في زينب، الإرجاف، الغيبة، البهتان، سوء الأدب في البيوت)؛ فكل تلك الشرور مبعثها انحراف اللسان وضعف التقوى؛ فأمر الله بالتقوى في الباطن وبالقول السديد في الظاهر ليغلق منافذ الشيطان كلها.
التلازم بين التقوى وسداد القول: جمع بين الأمر بالتقوى والأمر بالقول السديد؛ للدلالة على أن تقوى القلب لا تصح ولا تستقيم إلا إذا استقام اللسان وسددت الألفاظ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل كل صواب سديد أم يشترط فيه مصلحة القول: قد يظن ظان أن القول السديد هو مجرد قول الحقيقة المجردة ولو ترتبت عليها مفاسد وفتن وإشاعة للفواحش.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
السداد يجمع بين الصدق والملاءمة الشرعية: القول السديد في لغة العرب والشريعة ليس مجرد الصدق اللفظي، بل هو القول الصائب في وقته، ومكانه، ومقداره، وأسلوبه؛ فمن نطق بصدق لكنه أدى إلى فتنة أو إشاعة فاحشة فليس قوله سديداً؛ لأن السداد هو ما سد الخلل وجلب المصلحة ودرأ المفسدة.
الربط مع النهي عن الأذية: الآية جاءت مباشرة بعد النهي عن أذية موسى والنبي صلى الله عليه وسلم؛ فالقول السديد هو الذي يصون الأعراض ويبتعد عن التقول والظنون الكاذبة.
هدي السنة النبوية في ضبط اللسان: ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ»؛ فالخيرية هي معيار السداد.
الاستعارة في (سديداً): استعارة وصف السهم المصيب للهدف للكلمة المنطوقة؛ لبيان أن الكلمة كالسهم إن لم تكن صائبة للحق أصابت البريء وأفسدت العلاقات.
تصدير الخطاب بنداء الإيمان: للتذكير بأن ضبط اللسان بالحق والعدل من أخص مقتضيات الإيمان بالله.
اللطائف التدبرية والإشارية:
استقامة اللسان عنوان استقامة القلب؛ ففي مسند أحمد عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تدريب الألسن على الصدق والدقة والتثبت في الأقوال؛ والابتعاد عن الكذب، والمبالغات، ونقل الشائعات، وشهادة الزور.
بناء الخطاب الإعلامي والدعوي على السداد والحكمة والقول المعروف الذي يؤلف القلوب ويوحد الصفوف.
العمل والوجدان الإيماني:
مراقبة الألفاظ ومحاسبة النفس على كل كلمة؛ وتذكر قوله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
ملازمة الكلم الطيب والاستغفار وذكر الله في كل مجلس.