حكمة الابتلاء والغايات الإلهية من حصار الأحزاب: ينقل الطبري (ج 20، ص 237)مصدر غير محدد٢٠/٢٣٧ عن قتادة والضحاك، أن اللام في {لِّيَجْزِيَ} متعلقة بالابتلاء والزلزلة وتمايز الصفوف؛ أي إنما اختبر الله عباده بذلك الحصار الشديد وزلزلهم حتى يظهر صدق الصادقين فيجازيهم بجنات النعيم بصدقهم ووفائهم، ويعذب المنافقين لغدرهم ونكثهم ونفاقهم إن شاء ذلك بأن يميتهم على النفاق، أو يمن عليهم بالتوبة فيتوبوا من نفاقهم ويسلموا.
فتح باب التوبة حتى للمنافقين المرجفين: ينبه ابن كثير (ج 6، ص 395)مصدر غير محدد٦/٣٩٥ والقرطبي (ج 14، ص 158)مصدر غير محدد١٤/١٥٨ إلى دقة قوله تعالى: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}؛ فمع عظم جرائم المنافقين وخيانتهم في الخندق وإرجافهم، لم يغلق الله في وجوههم باب الرحمة، بل بين أن مشيئته في تعذيبهم مشروطة بعدم توبتهم؛ فإن تابوا ورجعوا قبل الله توبتهم وغفر ذنوبهم، ولذلك ختم الآية باسميه: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{لِّيَجْزِيَ}: الجزاء هو المكافأة على العمل بمثله خيراً كان أو شراً.
{بِصِدْقِهِمْ}: الباء للسببية، أي بسبب صدقهم وثباتهم على عهدهم.
{يَتُوبَ}: التوبة في الأصل الرجوع؛ وتوبة الله على العبد توفيقه للرجوع وقبول ندمه ومحو ذنبه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ}: اللام لام التعليل حرف جر، (يجزي) مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل اسم الجلالة، و(الصادقين) مفعول به منصوب بالياء، والمصدر المؤول متعلق بفعل محذوف تقديره (فعل ذلك كله من الابتلاء والتمييز ليجزي).
{بِصِدْقِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ (يجزي)، والهاء مضاف إليه.
{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ}: معطوف على يجزي منصوب مثله، و(المنافقين) مفعول به.
{إِن شَاءَ}: شرط جوابه محذوف، أي إن شاء تعذيبهم عذبهم، والفاعل مستتر.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}: إن واسمها، وكان واسمها مستتر وخبرها الأول غفوراً والثاني رحيماً، والجملة تعليلية مستأنفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ربط سنن الكون بالعدالة الإلهية المطلقة: الآية تكشف الغاية الكبرى والعلة الغائية من وراء كل ما جرى في غزوة الأحزاب؛ فالمعركة لم تكن مجرد صراع عسكري بين قبائل متحاربة، بل كانت قدراً ربانياً مدبراً لفرز القلوب وتحقيق مقتضى العدل والرحمة الإلهية: مكافأة الصادقين وتطهير الصفوف ومجازاة الخونة.
التوازن النظمي بين الرحمة والعدل: قارن النظم بين جزاء الصادقين وجزاء المنافقين؛ فقطع بجزاء الصادقين دون تعليق بالمشيئة {لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} لأن رحمته سبقت غضبه وقد وعد المؤمنين بالثواب ووعده لا يتخلف، في حين علق تعذيب المنافقين بالمشيئة {إِن شَاءَ} لفتح باب التوبة والرجاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعليق تعذيب المنافق بالمشيئة: يسأل بعضهم: أليس النفاق الأكبر كفراً مخلداً في الدرك الأسفل من النار، فكيف علق تعذيبهم بالمشيئة بقوله {إِن شَاءَ}، والمعلوم أن الكافر لا يغفر له إن مات على كفره؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
التعليق بالمشيئة راجع إلى مصيرهم في الدنيا قبل الموت؛ فالمعنى: إن شاء أماتهم على نفاقهم فيعذبهم، وإن شاء هداهم ووفقهم للتوبة والإخلاص فيتوب عليهم ويدخلهم الجنة؛ فعلق المشيئة على بقائهم على الكفر أو توبتهم منه.
تأصيل سني لمفهوم المشيئة: كل كائن في الكون إنما يقع بمشيئة الله المطلقة؛ فعذاب الكافر واقع بمشيئة الله وعدله، وتوبة التائب واقعة بمشيئة الله وفضله؛ فلا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
استبقاء الأمل للدعوة: الآية تبين أن الإسلام لا ييأس من هداية أحد مهما بلغت خيانته؛ فكم من منافق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صلح إسلامه بعد ذلك وحسن عمله فتاب الله عليه وغفر له.
باء السببية في (بصدقهم): تشريف عظيم للصدق؛ إذ جعل الصدق سبباً مباشراً لنيل النعيم المقيم، بينما لم يقل في المنافقين "بنفاقهم" ليفسح المجال للتوبة بالمشيئة.
حذف قيد المشيئة في جانب الصادقين: إشارة إلى سعة الفضل والكرم الإلهي؛ فثواب المطيع تفضل ووعد جازم، وعقاب العاصي عدل تحت المشيئة.
التذييل الاسمي المؤكد بـ (غفوراً رحيماً): ترغيب عظيم للمذنبين في المبادرة إلى التوبة قبل فوات الأوان.
اللطائف التدبرية والإشارية:
المحن والشدائد نعم باطنة في ثياب بلاء؛ لأنها تتيح للعبد أن يثبت صدقه لربه، فتنقله المحنة من مراتب العامة إلى منازل الصديقين المقربين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
غرس قيمة الصدق كمعيار أوحد للنجاة في الدنيا والآخرة؛ فالصدق مع الله ومع النفس ومع الناس هو أساس كل فضيلة.
فتح أبواب الرجاء للمخطئين والعصاة؛ فعلى الداعية ألا يغلق باب التوبة في وجه أحد، بل يدعو الجميع إلى رحمة الله ومغفرته.
العمل والوجدان الإيماني:
التضرع إلى الله أن يجعلنا من الصادقين في أقوالنا وأفعالنا ومواقفنا؛ مستحضرين حديث: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ».
المبادرة إلى التوبة من خصال النفاق ومراضاة الله بالغفران والرحمة.