حقيقة صلاة الله وصلاة الملائكة على المؤمنين: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 288)جامع البيانالطبري٢٠/٢٨٨ وابن كثير (ج 6، ص 418)مصدر غير محدد٦/٤١٨ عن ابن عباس ومجاهد وأبي العالية، أن صلاة الله تعالى على عباده المؤمنين هي ثناؤه عليهم في الملأ الأعلى عند الملائكة المقربين، ورحمته بهم، ومغفرته لذنوبهم، وتوفيقه لهم؛ وأما صلاة الملائكة فهي استغفارهم ودعاؤهم للمؤمنين، كما قال تعالى في سورة غافر: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}.
غاية الصلاة الإلهية (الإخراج من الظلمات إلى النور): يوضح القرطبي (ج 14، ص 191)مصدر غير محدد١٤/١٩١ والسعدي (ص 667)مصدر غير محدد٦٦٧ أن اللام في {لِيُخْرِجَكُم} لام العلة؛ أي إنما يثني عليكم ويرحمكم وتستغفر لكم الملائكة ليخرجكم بفضله من ظلمات الكفر والشك والجهل والمعصية والضلال إلى نور الإيمان واليقين والعلم والطاعة والبصيرة في الدنيا، ومن ظلمات القبور وأهوال المحشر إلى نور الجنة في الآخرة.
تفسير ختام الآية بالرحمة الخاصة: يقرر ابن كثير أن قوله: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} بيان لاختصاص المؤمنين برحمته الخاصة في الدنيا بالتوفيق والهداية، وفي الآخرة بالأمان من الفزع الأكبر وإدخالهم جنات النعيم، بخلاف رحمته العامة في الدنيا التي تشمل البر والفاجر بالرزق والعافية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يُصَلِّي}: الصلاة في اللغة الدعاء والتبريك والثناء الجميل؛ وصلاة الله رحمة وثناء، وصلاة الملائكة استغفار ودعاء.
{الظُّلُمَاتِ}: جمع ظلمة، وجاءت بالجمع لتعدد سبل الضلال والباطل والجهل.
{النُّورِ}: النور الضياء الذي يدرك به الحق؛ وجاء مفرداً لوحدة طريق الحق والإيمان.
{رَحِيمًا}: صيغة مبالغة على وزن فعيل؛ دالة على ثبوت الرحمة الإلهية الواسعة الدائمة للمؤمنين.
الإعراب والتركيب النحوي:
{هُوَ الَّذِي}: (هو) ضمير منفصل مبتدأ، و(الذي) اسم موصول خبر المبتدأ في محل رفع.
{يُصَلِّي عَلَيْكُمْ}: فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول لا محل لها، والجار والمجرور متعلق بيصلي.
{وَمَلَائِكَتُهُ}: الواو عاطفة، (ملائكته) معطوف على الضمير المستتر في يصلي وحسن العطف للفصل بالجار والمجرور (عليكم)، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره (وملائكته يصلون عليكم)، والهاء مضاف إليه.
{لِيُخْرِجَكُم}: اللام للتعليل حرف جر، (يخرجكم) مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل مستتر يعود على الله، والكاف مفعول به، والمصدر المؤول متعلق بـ (يصلي).
{مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}: جاران ومجروران متعلقان بـ (يخرجكم).
{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}: الواو تذييلية، كان واسمها ضمير مستتر، وبالؤمنين متعلق برحيماً، و(رحيماً) خبر كان منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجزاء الإلهي الأوفى على الذكر والتسبيح: ما أعظم تناسق الوحي؛ فحين أمرهم الله في الآيتين السابقتين بذكره وتسبيحه {اذْكُرُوا اللَّهَ... وَسَبِّحُوهُ}، قابل ذلك ببيان صلاته عليهم وثنائه ورعايته لهم {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ}؛ فإذا ذكر العبد ربه في الأرض ذكره الله في ملأ خير منهم، ونال صلاة الملك القدوس واستغفار حملة العرش.
المقابلة الإعجازية بين جمع الظلمات وإفراد النور: قابل النظم بين {الظُّلُمَاتِ} بصيغة الجمع و{النُّورِ} بصيغة الإفراد؛ لترسيخ حقيقة عقدية كبرى: أن الباطل متعدد متشعب في أهوائه وضلالاته، بينما الحق واحد لا يتعدد وهو الصراط المستقيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اشتراك لفظ (الصلاة) بين الله وملائكته والبشر: يتوهم المعطلة أو المشبهة إشكالاً في إطلاق فعل "يصلي" على الله والملائكة معاً، ويزعمون أنه يقتضي المماثلة.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الاشتراك اللفظي لا يقتضي التماثل الكيفي: الصلاة لفظ مشترك دلالياً يتحدد معناه بحسب الفاعل؛ فصلاة الله ثناء ورحمة وإكرام تليق بجلاله وكماله الذاتي، وصلاة الملائكة دعاء واستغفار وتضرع، وصلاة البشر عبادة وركوع وسجود؛ فشتان بين صلاة الخالق وصلاة المخلوقين.
التقدير النحوي الرفيع: عطف {وَمَلَائِكَتُهُ} على الفاعل المستتر مع اختلاف معنى الصلاة جائز لغة من باب عموم المجاز أو تضمين الفعل معنى الاعتناء والرحمة التامة، أو بتقدير فعل محذوف: (وملائكته يستغفرون لكم).
بيان الكرامة العظمى للإنسان المؤمن: الآية تدل على منزلة المؤمن الصادق عند الله؛ حيث يسخر الله له ملائكته الأبرار ليدعوا له ويستغفروا لذنوبه صيانة له من التردي في مهاوي الفتن.
التصدير بضمير الفصل (هو): لإفادة الحصر والتفخيم؛ فالله وحده هو المتفضل بالصلاة والرحمة التامة التي تنجي من الشقاء.
الاستعارة التصريحية الفذة: استعارة {الظُّلُمَاتِ} للكفر والجهل والضلال، واستعارة {النُّورِ} للهدى واليقين والإيمان؛ لما بينهما من جامع الحيرة والعمى في الأول والوضوح والهداية في الثاني.
تقديم الجار والمجرور للاعتناء والتخصيص: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}؛ لبيان أن رحمته الخاصة محصورة في أهل الإيمان واليقين.
اللطائف التدبرية والإشارية:
من أراد أن تصلي عليه الملائكة وتتنزل عليه رحمات الله، فليكثر من ذكر الله وتسبيحه؛ فإن الله غفور شكور يجازي على الذكر القليل بالثناء الجليل والرحمة الدائمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
ترسيخ الشعور بالطمأنينة والعزة في قلوب المسلمين؛ فالمؤمن وإن حاربته قوى الأرض يستشعر أن ربه يثني عليه في الملأ الأعلى وأن الملائكة تصلي عليه وتستغفر له.
الدعوة إلى الخروج من ظلمات التيه الفكري المعاصر إلى نور الوحي القرآني؛ فكل فكر بعيد عن الوحي فهو ظلمات بعضها فوق بعض.
العمل والوجدان الإيماني:
استشعار رحمة الله الخاصة بالمؤمنين ومحبته لهم؛ مما يورث القلب محبة الله والشوق إلى لقائه.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لينال العبد صلاة الله؛ ففي الحديث الصحيح: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً».