تحديد الجهات وتصوير الحصار: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 206)جامع البيانالطبري٢٠/٢٠٦ عن قتادة ومجاهد والضحاك في تفسير قوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ}: الذين جاؤوا من فوق هم أهل نجد وغطفان وبنو قريظة من جهة المشرق (العالية)، والذين جاؤوا من أسفل هم قريش وكنانة وأهل تهامة من جهة المغرب (السافلة)، فصار المسلمون محصورين في حيز ضيق كالحلقة المفرغة.
تفسير زيغ الأبصار وبلوغ القلوب الحناجر: يوضح ابن كثير (ج 6، ص 385)مصدر غير محدد٦/٣٨٥ أن {زَاغَتِ الْأَبْصَارُ} أي مالت وحارت من شدة الفزع والدهشة، فلا تستقر على جهة محددة لترقب الخطر من كل جانب. وقوله {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} مثل لشدة الخوف والفزع وكرب الصدور، لأن القلب إذا اضطرب عند الفزع الشديد ربا وانتفخ وصعد نحو الحلقوم حتى يكاد يخنق صاحبه.
اختلاف الظنون بين المؤمنين والمنافقين: يذكر القرطبي (ج 14، ص 141)مصدر غير محدد١٤/١٤١ أن الظنون هنا انقسمت قسمين:
ظن المنافقين وضعفاء النفوس: وهو اليأس من نصر الله، وظنهم أن الدائرة قد دارت على محمد وأصحابه وأنهم يستأصلون، وظن السوء بالله وأنه لا ينجز وعده.
ظن المخلصين من المؤمنين: وهو ما فسرته الآية (22): {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}، ولكن عرضت لبعضهم خطرات ووساوس بشرية طارئة دافعوها باليقين، كما روي عن ابن عباس: "أما المؤمنون فظنوا أن الله سينجز ما وعدهم، وأما المنافقون فظنوا أنهم مهلكون مستأصلون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{زَاغَتِ}: الزيغ هو الميل عن الاستقامة؛ زَاغَ البصر إذا مال عن موضعه المعتاد حيرة واضطراباً.
{الْحَنَاجِرَ}: جمع حنجرة، وهي مدخل التنفس من الحلق، ونهاية مجرى الهواء عند المريء.
{الظُّنُونَا}: جمع ظن، وهو التجويز بين أمرين مع ترجيح أحدهما، ورسمت في المصاحف بألف في الوصل والوقف أو الوقف خاصة على لغة أهل الحجاز مراعاة للفواصل.
الإعراب والتركيب النحوي:
{إِذْ جَاءُوكُم}: (إذ) ظرف لما مضى متعلق بـ {اذكروا} في الآية السابقة أو هو بدل من (إذ جاءتكم). وجملة (جاؤوكم) في محل جر بالإضافة، والواو فاعل، والكاف مفعول به.
{مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ}: شبه جملة متعلق بـ (جاؤوكم)، و(أسفلَ) اسم مبني على الفتح لقطعه عن الإضافة لفظاً أو ظرف معرب مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للوصفية ووزن الفعل، والجمهور على بنائه أو جره.
{وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ}: عطف على (إذ) الأولى، وجملة (زاغت الأبصار) مضاف إليها الظرف.
{وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}: الواو عاطفة أو حالية، و(تظنون) فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجار والمجرور متعلقان بـ (تظنون)، و(الظنونا) مفعول مطلق مؤكد للفعل أو مفعول به على تضمين الفعل معنى (تقدرون)، وثبتت الألف في قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وصلاً ووقفاً أو وقفاً، وهي ألف الإطلاق لتناسب رؤوس الآي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتجسيد الحالة النفسية والميدانية: بعد أن لخصت الآية السابقة المشهد الكلي بالنعمة وإرسال الريح والجنود، جاءت الآية (10) ترسم المشهد التصويري الميداني الحي (تجسيد الواقعة كأن السامع يراها). فنقلت العدسة القرآنية تفاصيل الحصار الخانق، ثم صورت انعكاس ذلك الحصار على الجوارح (الأبصار الحائرة)، ثم على الأعضاء الباطنة (القلوب الصاعدة إلى الحناجر)، ثم على الضمائر والأفكار (الظنون المختلفة بالله).
التدرج من الظاهر إلى الباطن: بدأ الحصار بالبيئة الخارجية المحيطة {مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ}، ثم تسرب إلى الحواس الظاهرة {زَاغَتِ الْأَبْصَارُ}، ثم تغلغل إلى العاطفة والخوف الجسدي {بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}، ثم استقر في أعمق طبقات الإدراك العقلي والإيماني {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة نسبة الشك والظن السيئ إلى عموم الصحابة: يتمسك الطاعنون بقوله {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} للادعاء بأن جميع الصحابة شكوا في وعد الله ورسوله وسقط إيمانهم عند الشدة.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الخطاب القرآني نزل في مجتمع يضم المؤمنين الصادقين، وضعفاء الإيمان، والمنافقين المندسين في الصفوف؛ فالخطاب جمعهم لبيان اضطراب الساحة، ثم بينت الآيات التالية فرز الفريقين بجلاء تام؛ حيث صرحت الآية (12) بما قاله المنافقون والمرضى: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}، في حين أثبتت الآية (22) ثبات المؤمنين الكمل: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ}.
أما المؤمنون الصادقون، فإن ما عرض لخواطرهم لم يكن تكذيباً للوعد، بل كان تساؤلاً عن كيفية الفرج وتوقع البلاء والقتل في سبيل الله، أو خواطر النفس الطبيعية التي تعرض للإنسان عند اشتداد هول الموت، وهو ضعف بشري فسيولوجي لا يقدح في الإيمان الراسخ، كما قال الله تعالى عن نبيه موسى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ}.
تمايز الألفاظ: عبر الله عن ظن المنافقين بلفظ الغرور الصريح في الآية (12)، بينما أطلق هنا لفظ {الظُّنُونَا} بصيغة الجمع والتعريف، لاشتماله على ظن المؤمنين الحسن بالفرج بعد البلاء، وظن المنافقين السيئ بالهزيمة، مما يدل على دقة التصنيف القرآني.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
البلاغة والبيان:
التمثيل والاستعارة المكنية: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}؛ استعارة تمثيلية بارعة عن ذروة الهلع واضطراب النفوس؛ إذ شبهت القلوب في قلقها وخفقانها المتسارع بأجرام تتحرك من مواضعها وتصعد في تجويف الصدر حتى تبلغ الحناجر خنقاً لصاحبها.
المطابقة والمقابلة المكانية: {مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ}؛ طباق أفاد انغلاق منافذ النجاة المادية، وإحاطة العدو بهم إحاطة السوار بالمعصم.
التنكير والتعريف البلاغي: إثبات الألف في {الظُّنُونَا} يعطي جرساً صوتياً ممتداً يصور امتداد التفكير والخواطر في تلك الليلة الطويلة الباردة، حيث تتداعى الأفكار في ظلمة الليل وظلمة الحصار.
اللطائف التدبرية والإشارية:
تصوير القرآن لضعف الإنسان ومشاعره الفطرية في أوقات الشدائد يرفع الحرج عن النفس البشرية حين تجد الخوف والوجل؛ فالإيمان لا يمحو الطبيعة الإنسانية، بل يضبط وجهتها ويمنعها من الانزلاق إلى السخط أو التراجع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
الأزمات الكبرى هي المختبر الحقيقي للمعادن؛ ففي الرخاء يدعي الجميع الشجاعة واليقين، ولكن عند الحصار وانقطاع المدد تتميز الصفوف وينفصل الدخيل عن الأصيل.
تربية القادة والدعاة على ألا ينهاروا أمام المشاعر السلبية الطارئة لأتباعهم؛ بل يستوعبوا الخوف البشري الطبيعي ويوجهوه نحو استمطار رحمة الله بالصلاة والدعاء.
العمل والوجدان الإيماني:
استصحاب حسن الظن بالله في أشد ساعات الظلمة؛ فإذا بلغت القلوب الحناجر وزاغت الأبصار، علم العبد الصادق أن الفرج بات أقرب من حبل الوريد.
التضرع بالدعاء المأثور الذي علمه النبي لأصحابه يوم الأحزاب حين قالوا: هل من شيء نقوله؟ قال: «اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا» (رواه أحمد في المسند).