البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 447) عن عبد الله بن عباس ومجاهد والحسن وابن شوذب وأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة: "يقول تعالى ذكره: والذين بذلوا جهدهم وطاقتهم في طاعتنا، وجاهدوا أنفسهم وأهواءهم والشيطان وأعداء الله في سبيل مرضاتنا وإعلاء كلمتنا، لنبصرنهم بما التبس عليهم من الهدى، ولنوفقنهم لسلوك سبل الخير والرشاد ومناهج الجنة في الدنيا والآخرة، {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}: أي وإن الله لمع أهل الإحسان في إيمانهم وجهادهم وأعمالهم؛ بالنصرة والتأييد والهداية والحفظ والتوفيق في كل أحوالهم".
وقال سفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك: "إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور؛ فإن الله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، فجعل الهداية مشروطة بالجهاد في سبيله".
ويقرر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 291): "هذه خاتمة جامعة عظيمة لهذه السورة المباركة؛ وعد صادق بالهداية التامة والمعية الإلهية الخاصة لمن جاهد نفسه وهواه وأعداء دينه ابتغاء وجه الله".
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
جَاهَدُوا: بذلوا غاية ما في وسعهم وطاقتهم في مدافعة كل عدو وقاطع عن الله، من جهاد النفس والهوى والشيطان والظالمين.
فِينَا: في مرضاتنا، وفي سبيل ديننا، مخلصين لوجهنا لا رياءً ولا سمعة ولا طلباً لمحمدة دنيوية.
سُبُلَنَا: جمع سبيل، وهي الطرق والمسالك الموصلة إلى الله وجنته ورضوانه وأبواب العلم والعمل الصالح.
الْمُحْسِنِينَ: جمع محسن، والإحسان هو بلوغ الغاية في إتقان العمل وإخلاصه؛ ومقام الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَالَّذِينَ: الواو استئنافية، اسم موصول مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع.
جَاهَدُوا: ماضٍ وفاعله، والجملة صلة الموصول.
فِينَا: متعلقان بجاهدوا، وفي للظرفية المجازية الدالة على الإخلاص والاستغراق في طلب مرضاة الله.
لَنَهْدِيَنَّهُمْ: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به أول، والجملة جواب قسم والمبتدأ مخبر عنه بجواب القسم، وخبر المبتدأ جملة القسم والجواب.
سُبُلَنَا: مفعول به ثانٍ لنهدينهم منصوب بالفتحة و"نا" مضاف إليه.
وَإِنَّ اللَّهَ: الواو استئنافية، إن واسمها.
لَمَعَ: اللام المزحلقة للتوكيد، "مع" ظرف مكان أو مصاحبة متعلق بمحذوف خبر إن.
الْمُحْسِنِينَ: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
خاتمة مسك السورة وذروة سنام مقاصدها؛ فالسورة افتتحت بتقرير الفتنة والابتلاء في قوله: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}، ثم استعرضت فتن الأهل والمنافقين ومصارع الأمم والأنبياء الصابرين، وختمت بهذه القاعدة الذهبية الكلية: من صدق في خوض غمار الابتلاء، وبذل جهده وتضحيته مخلصاً لله {جَاهَدُوا فِينَا}، فإن الله يتكفل بهدايته وتثبيته وسوقه في سبل النجاة، محاطاً بالمعية الإلهية الخاصة؛ فالتقت الفاتحة بالخاتمة في أبهى إحكام وتنظيم.
التناسب التركيبي الداخلي:
الشرط الإيماني {جَاهَدُوا فِينَا}، يعقبه الجواب المقسم عليه المؤكد باللام ونون التوكيد وجمع السبل وإضافتها إلى نون العظمة {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، وتتويج ذلك بالمعية الإلهية الخاصة المقترنة بالإحسان المؤكدة بإن واللام {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق قانون "الهداية ثمرة المجاهدة والعمل":
تضع الآية قانوناً سلوكياً ومعرفياً قاطعاً: الهداية والتوفيق الرباني لا ينالان بالأماني والقعود والنظريات المجردة، بل هما "ثمرة لبذل الجهد والمكابدة والمجاهدة الصادقة"؛ فمن جاهد نفسه في طلب العلم هداه الله لأسراره، ومن جاهد نفسه في الصلاة هداه الله للخشوع، ومن جاهد أعداء الدين في الثغور فتح الله له سبل النصرة؛ فالعمل يورث العلم، والمجاهدة مفتاح الهداية.
التقييد بـ {فِينَا}: للدلالة على الإخلاص والتجرد الكامل؛ فالجهاد الذي يثمر الهداية هو ما كان خالصاً لوجه الله، لا حمية، ولا عصبية، ولا طلباً للشهرة والمناصب.
الجمع في {سُبُلَنَا} وإضافتها إلى ضمير العظمة: لبيان سعة وتنوع طرق الخير والهدى التي يفتحها الله للمجاهدين؛ طرق العلم، وطرق العبادة، وطرق الفرج، وطرق النصر والتمكين.
تأكيد المعية الخاصة في {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}: معية النصر، والتأييد، والسكينة، والحفظ التي تجعل العبد المستضعف أقوى من جبابرة الأرض قاطبة.
الظلال التدبرية والإشارية:
إذا التبست عليك الطرق، وأظلمت أمامك المسالك، وشعرت بالحيرة في أمر دينك أو دنياك؛ فبادر بالمجاهدة: جاهد هوى نفسك، وقاوم معصيتك، وابذل وسعك في طاعة ربك، وتذكر قسم الله الصادق: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؛ فما خاب من جاهد لله، ومعه رب العالمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
بعث الأمل العظيم والثقة المطلقة في نفوس الدعاة والمصلحين؛ فكل جهد وتعب وسهر وتضحية في سبيل الله مسيج بضمانين إلهيين: الهداية في الدنيا، والمعية في كل خطوة.
الآثار التربوية والوجدانية:
مداومة مجاهدة النفس الأمارة بالسوء وترويضها على الإخلاص والإحسان.
الطمأنينة والأنس بمعية الله الخاصة للمحسنين في كل شدة وموقف.