البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 402)مصدر غير محدد١٨/٤٠٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى: فلما نصحهم شعيب كذبوه وأصروا على شركهم وبخسهم وظلمهم، فعاقبهم الله بعقوبة مروعة؛ {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ}: وهي الزلزلة العظيمة الشديدة التي رجفت بها الأرض من تحت أقدامهم، وقرنت بعذاب يوم الظلة والصيحة التي صدعت قلوبهم، {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}: أي لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم موتى هامدين صرعى لا حراك بهم".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 277)مصدر غير محدد٦/٢٧٧: "اجتمع عليهم أنواع من العذاب: أخذتهم الرجفة، وجاءتهم الصيحة، وأظلتهم عذاب يوم الظلة، فأهلكوا عن آخرهم وأصبحوا جثثاً هامدة في ديارهم".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 346)مصدر غير محدد١٣/٣٤٦ أن "الجاثم" هو الساقط على وجهه اللاصق بالصدر والركبة من شدة الهلع والموت.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
الرَّجْفَةُ: الاضطراب الشديد المزلزل للأرض والأبدان، من رجف يرجف إذا تزلزل بشدة.
جَاثِمِينَ: الجثوم للطير والإنسان بمنزلة البورك للإبل؛ وهو السقوط على الركب والصدور مع لصوق بالأرض وموت وخمود.
فِي دَارِهِمْ: متعلقان بجاثمين، والهاء مضاف إليه، ووحد "الدار" وأراد بها البلد والمنازل كلها.
جَاثِمِينَ: خبر أصبح منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
السرعة المذهلة في نزول القضاء المحتوم؛ فحين تكرر التكذيب جاءت ثلاثة أفعال متعاقبة بالفاء العاطفة للسرعة: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ... فَأَصْبَحُوا}؛ لبيان أنه ما بين التكذيب والهلاك إلا لحظات يسيرة حتى تحولت مدينتهم العامرة وقصورهم التجارية إلى مقبرة هامدة.
التناسب التركيبي الداخلي:
المقابلة بين انتفاشهم وكبريائهم في الأسواق وقطع الطرق، وبين مظهر جثومهم الذليل الصامت اللاصق بالتراب {فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تنوع أوصاف عذاب قوم شعيب في القرآن:
ذكر القرآن عذاب مدين بثلاثة أوصاف: بالرجفة هنا وفي الأعراف، وبالصيحة في سورة هود، وبعذاب يوم الظلة في سورة الشعراء؛ فهل بينها تعارض؟
الجواب الذي حققه ابن كثير والقرطبي: لا تعارض ألبتة؛ بل أصابهم العذاب مجتمعاً: أصابهم حر شديد أخذ بأنفاسهم فأظلتهم سحابة باردة فهرعوا تحتها يستظلون (يوم الظلة)، فلما اجتمعوا تحتها أمطرتهم ناراً ورجفت بهم الأرض من تحتهم (الرجفة)، وصاحت بهم صيحة هائلة من السماء أزهقت أرواحهم (الصيحة)، فكل سورة ذكرت وجهاً من هذا العذاب المتكامل الذي سحق طغيانهم.
توالي فاءات التعقيب السريع: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ... فَأَصْبَحُوا}؛ لرسم مشهد المباغتة الإلهية الخاطفة التي لا تمهل الظالمين طرفة عين.
إفراد {دَارِهِمْ} وإرادة الجمع: للإشعار بأن قراهم ومنازلهم المتعددة أصبحت كلها داراً واحدة موحشة خربة، كأنها قبر جماعي ضخم.
الظلال التدبرية والإشارية:
أين الأموال التي جمعوها بالبخس والغش؟ أين قصور التجارة والأرباح؟ في ثوانٍ معدودة ابتلعت الرجفة كل مظاهر الحضارة المزيفة، وبقي الإثم والعار والخزي الأبدي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تذكير المجتمعات المترفة العابثة بنوازل الزلازل والكوارث؛ فإن الأمن الاقتصادي لا يحفظه إلا طاعة الله والعدالة في المعاملات.
الآثار التربوية والوجدانية:
الخوف من مباغتة الأجل وعقوبات الله التي تأتي بغتة وهم لا يشعرون.
الرضا بالرزق الحلال واليقين بأن الحرام ممحوق البركة مهلك لصاحبه.