البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 397)مصدر غير محدد١٨/٣٩٧ عن ابن عباس وقتادة والسدي: "لما غادرت الملائكة إبراهيم توجهوا إلى سدوم فدخلوا على لوط في صورة شبان حسان الوجوه لم يرَ مثل جمالهم، وكان ذلك ابتلاءً من الله، فلما رآهم لوط {سِيءَ بِهِمْ}: أي ساءه مجيئهم وخشي عليهم من عدوان قومه وفجورهم، {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا}: أي عجزت طاقته وحيلته عن حمايتهم ودفع شر قومه عنهم لقلة ناصريه وضعفه بين ظهرانيهم، فلما رأت الملائكة ما اعتراه من الخوف والغم كشفوا له عن حقيقتهم: {وَقَالُوا لَا تَخَفْ} علينا من قومك فلن يصلوا إلينا ولا إليك، {وَلَا تَحْزَنْ} على ما سيصيبهم، {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ}".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 275)مصدر غير محدد٦/٢٧٥: "تكرر هذا الوعد والتطمين للوط بعد أن أخرجه قومه إلى أقصى درجات الضيق والحرج، فتبدلت وحشته أمناً وقوة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
سِيءَ بِهِمْ: أصابه السوء والغم والهم بسبب مجيئهم.
ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا: الذرع هو مد اليد وبسطها لقياس الشيء بذراع، وضيق الذرع كناية عربية شهيرة عن نفاد الحيلة وعجز الطاقة وانعدام الوسيلة للدفاع.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَلَمَّا: الواو عاطفة، "لما" حينية رابطة.
أَن جَاءَتْ: "أن" صلة زائدة لتأكيد الاتصال والسرعة (أي لما جاءت فوراً)، ماضٍ وفاعله "رسلنا".
لُوطًا: مفعول به منصوب.
سِيءَ بِهِمْ: ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر يعود على لوط أو مصدر الفعل، والجار والمجرور متعلقان بسيء، والجملة جواب لما.
إِنَّا مُنَجُّوكَ: إن واسمها، وخبرها المرفوع بالواو والكاف مضاف إليه.
وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ: معطوف ومستثنى وجملة كان وخبرها كما مر في الآية السابقة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
بلوغ الأزمة ذروتها النفسية والحرجة؛ فالرسول وجد نفسه محاصراً بين واجب إكرام الضيوف وعجزه عن منع قومه المستأسدين بالفاحشة، فلما بلغت الشدة مداها تجلى الفرج الإلهي وكشفت الملائكة عن هويتها وسلطانها القاهر.
التناسب التركيبي الداخلي:
الجمع بين النهي عن الخوف والنهي عن الحزن {لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ}؛ فنفي الخوف مما يستقبل من الاعتداء، ونفي الحزن على ما فات وما سينزل بالقوم، ثم تأكيد النجاة الموعودة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دخول "أن" بعد "لما":
ما الحكمة البيانية من زيادة "أن" في قوله: {وَلَمَّا أَن جَاءَتْ} مع عدم ورودها في الآية (31): {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ}؟
التحقيق الباهر عند أهل البيان واللغة: أن "أن" تفيد المفاجأة والسرعة الشديدة في حصول الأثر؛ فإبراهيم عليه السلام لما جاءته الرسل رحب بهم وذبح لهم العجل على مهل واستبشر، أما لوط فبمجرد أن وقعت عينه عليهم ساءه أمرهم فوراً وفاجأه الضيق والخوف على شرفهم من فجور قومه، فناسب إقحام "أن" لبيان سرعة وقوع الهم والغم في نفسه منذ أول لحظة.
الكناية في {ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا}: كناية عن العجز التام والانسداد الكامل لخيارات الدفاع والحماية.
صيغة المبني للمجهول في {سِيءَ بِهِمْ}: لإبراز وطأة الهم النفسي الذي غشيه من كل جانب كأنه أمر غلبه وقهر مشاعره.
الظلال التدبرية والإشارية:
اشتدي يا أزمة تنفرجي؛ حين يشعر المصلح أنه قد حوصر بالكامل، وأن طاقته البشرية قد استنفدت، يأتيه المدد الملائكي من حيث لا يحتسب؛ ليقال له: "لا تخف ولا تحزن، إنك منصور ومحفوظ برعاية الله".
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
الغيرة على الأعراض والشرف وكرامة الضيوف؛ فالمؤمن يتألم للمنكر ويحترق قلبه لدفع الشر عن الضعفاء.
الآثار التربوية والوجدانية:
التثبيت الرباني للأولياء بنفي الخوف والحزن في مواطن الشدائد.
اليقين بأن معية الله أقرب إلى العبد من حبل الوريد عند احتدام الكرب.