البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 428)مصدر غير محدد١٨/٤٢٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى: اذكر يا محمد يوم يغشى هؤلاء الكفار عذاب جهنم، فيجللهم ويلفهم من فوق رؤوسهم، ومن تحت أقدامهم، ومن بين أيديهم ومن خلفهم؛ كقوله تعالى: {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}، وتقول لهم الملائكة الخزنة تقريعاً وتوبيخاً وإذلالاً بأمر الله: {ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}: أي ذوقوا وبال وجزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا من الشرك والتكذيب والاستهزاء والاستعجال للعذاب".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 286)مصدر غير محدد٦/٢٨٦: "هذا تفصيل لإحاطة جهنم بهم المذكورة في الآية السابقة؛ فالعذاب يغمرهم من جميع جهاتهم، ويصاحبه التقريع النفسي المذل، فيجتمع عليهم ألم البدن وألم الإهانة والتوبيخ".
وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي {وَيَقُولُ} بالياء (أي يقول الله أو الملك الموكل)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {وَنَقُولُ} بالنون نون العظمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
يَغْشَاهُمُ: الغشيان هو التغطية التامة والستر المستغرق بحيث يعلو الشيء ويغمده بالكلية.
ذُوقُوا: الذوق في الأصل إدراك الطعم بالفم، واستعمل هنا مجازاً واستعارة تهكمية في مقاساة مرارة العذاب الشديد ومباشرته بالحواس.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
يَوْمَ: ظرف زمان منصوب بـ "محيطة" أو بفعل محذوف تقديره "اذكر"، وهو مضاف.
يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ: مضارع ومفعوله، و"العذاب" فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل جر مضاف إليه يوم.
وَيَقُولُ: الواو عاطفة، مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله تعالى أو المَلَك بأمره.
ذُوقُوا: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول.
مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ: "ما" اسم موصول مفعول به لذوقوا، وجملة كنتم صلة، وجملة تعملون خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
التصوير المشهدي والتفصيل الحركي لإحاطة جهنم؛ فبعد أن أطلق لفظ {لَمُحِيطَةٌ} في الآية السابقة، فصل هنا كيف تقع هذه الإحاطة: غشيان محيط يطبق من جهة الفوق وجهة التحت، مع توبيخ لفظي يصب في آذانهم؛ ليعلم المستعجلون للعذاب أي مصير أسود ينتظرهم.
التناسب التركيبي الداخلي:
المقابلة بين جهتي العلو والسفل {مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} لبيان انعدام أي متنفس، والجمع بين العذاب الحسي (الغشيان) والعذاب النفسي التوبيخي {ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عدالة الجزاء وتجسيم الأعمال:
قوله تعالى: {ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يقرر أصلاً عقائدياً عظيماً: العذاب الذي يقاسونه ليس ظلماً نازلاً من خارج ذواتهم، بل هو "عين أعمالهم وسيئاتهم" تجسدت لهم نيراناً وأغلالاً ولهباً؛ فالشرك والكبر والظلم في الدنيا ظلمة ونار في الآخرة، وما يذوقونه هو محصول أيديهم التي كسبت.
الفعل {يَغْشَاهُمُ}: استعارة تمثيلية لتصوير النار كالغطاء الكثيف واللحاف المشتعل الذي يجلل أجسادهم فلا يترك منها عضواً إلا أحرقه.
الاستعارة التهكمية في {ذُوقُوا}: إطلاق الذوق على العذاب للتهكم بهم؛ لأن الذوق يكون للمستلذات فاستعمل في أشد الآلام تقريعاً وإهانة.
الظلال التدبرية والإشارية:
يا له من مشهد مفزع! نار من فوقهم، ونار من تحت أرجلهم، والملائكة تقرعهم: "ذوقوا ما كنتم تعملون"، فأين الاستهزاء والتبجح؟ أين القوة والغرور؟ لقد ابتلع العذاب كل عناد وأطبق عليهم الخلود البائس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
إنذار العصاة بمشاهد القيامة المؤثرة لكسر قسوة القلوب وتحريك الوجدان بالخوف الإيجابي الذي يقود إلى التوبة والعمل الصالح.
الآثار التربوية والوجدانية:
الاستعاذة بالله من عذاب جهنم وسرادقها وغواشيها.
مراقبة الأعمال ومحاسبة النفس قبل أن يذوق العبد وبال ما كسبت يداه.