البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 383)مصدر غير محدد١٨/٣٨٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول إبراهيم لقومه بعد أن أنجاه الله من كيدهم ونارهم سالماً منتصراً: إنما اتخذتم هذه الأوثان لتتوادوا عليها وتجتمعوا على عبادتها في الحياة الدنيا بدافع العصبية القومية والتقليد الأسري والائتلاف العاجل، {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ}: أي يتبدل ذلك الود والحب إلى عداوة وبغضاء وتبرؤ؛ فيتبرأ المتبوعون من التابعين وتتبرأ الآلهة من عابديها، {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا}: يدعو بعضكم على بعض باللعنة وسوء العذاب، {وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ}: مصيركم ومنزلكم جميعاً جهنم، {وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ}: وما لكم من أحد ينصركم أو ينقذكم من النار".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 272)مصدر غير محدد٦/٢٧٢: "كقوله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}؛ فكل مودة واجتماع لغير الله ينقلب يوم القيامة عداوة وخزياً وندامة ولعناً متبادلاً".
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} بنصب مودة وإضافتها إلى بينكم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي {مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ} بنصب مودة وتنوينها ونصب بينكم على الظرفية، وقرأ ابن عامر وشعبة {مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ} بالرفع على الخبرية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
مَّوَدَّةَ: المحبة والتواصل والتآلف القلبي.
مَأْوَاكُمُ: المأوى هو المستقر والملجأ والمكان الذي يرجع إليه الإنسان ويستقر فيه.
يَلْعَنُ: اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله والخير.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَقَالَ: ماضٍ وفاعله مستتر يعود على إبراهيم.
إِنَّمَا اتَّخَذْتُم: كافة ومكفوفة، ماضٍ وفاعله التاء، والميم للجمع.
مِّن دُونِ اللَّهِ: متعلقان بمحذوف حال.
أَوْثَانًا: مفعول به أول منصوب بالفتحة.
مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ: مفعول لأجله منصوب (أي لأجل مودة بينكم)، أو مفعول ثانٍ لاتخذتم، وبينكم مضاف إليه مجرور أو ظرف مكان منصوب على قراءة التنوين.
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا: متعلقان بمودة أو بمحذوف حال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
موقف الاستعلاء البياني والفكري لإبراهيم بعد معجزة نجاته؛ فلم ينكسر ولم يهرب، بل واجههم بالتحليل النفسي والاجتماعي العميق لعلة شركهم: أنتم لم تعبدوا الأوثان لاقتناع عقلي بحجتها، بل عبدتموها لمجرد "التوافق الاجتماعي الزائف" والمحافظة على النسيج العشائري الموهوم، ثم أنذرهم بأن هذا التماسك الكاذب سينفجر يوم القيامة إلى لعن وتبرؤ متبادل.
التناسب التركيبي الداخلي:
المقابلة بين الود المؤقت في دار الغرور {مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، وبين التخاصم واللعن الأبدي في الآخرة {يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا}، ثم تقرير المصير المشترك بالحبس في النار دون ناصر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك ظاهرة "المجاراة الاجتماعية والضغط الجماهيري":
تكشف الآية بعبقرية إعجازية سيكولوجية الجماهير؛ فكثير من الناس لا يتبعون الضلال حباً في ذاته، بل يتبعونه مراعاةً لـ "المودة الاجتماعية" ومجاراةً للأعراف والعلاقات الأسرية وحرصاً على المصالح المشتركة. فبين إبراهيم أن كل رابطة لا تبنى على التوحيد والحق هي رابطة زائفة ستنقلب إلى عداوة محتومة في المحكمة الإلهية، فلا يجوز لعاقل أن يضحي بآخرته من أجل استبقاء مودة فانية لأناس يلعنونه غداً.
التقييد بـ {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: لبيان قصر أمد هذا التوافق وهوانه وسرعة انقضائه.
حرف التراخي {ثُمَّ}: للإشعار بالبون الشاسع والتحول الجذري المروع بين حالهم المتبسم المتوادّ في الدنيا وحالهم المشتعل باللعنات في الآخرة.
استغراق النفي بـ "من" في {مِّن نَّاصِرِينَ}: لقطع أي طمع في نصير أو شفيع.
الظلال التدبرية والإشارية:
ليراجع كل إنسان علاقاته وصداقاته وأحلافه اليوم؛ كل حب لا يقوم على حب الله وبغض ما يبغضه الله هو بذرة لعداوة حارقة يوم القيامة، والأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تحرير المدعوين من الخوف من الملامة والعزلة الاجتماعية؛ فالداعية يعلم الناس أن رضا الله مقدم على رضا العشيرة والأصدقاء، وأن المودة القائمة على الباطل بئس المودة.
الآثار التربوية والوجدانية:
بناء العلاقات والصداقات على أساس التقوى والعمل الصالح.
المفاصلة العقدية مع أهل الباطل في شعائرهم المحرمة وعدم مجاملتهم على حساب الدين.