البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 395)مصدر غير محدد١٨/٣٩٥ عن ابن عباس ومجاهد والسدي: "لما قال الملائكة لإبراهيم: إنا مهلكو أهل هذه القرية، أشفق خليل الرحمن على لوط عليه السلام ورقّ قلبه له، فقال دافعاً ومستفسراً: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا} وهو نبي مؤمن فكيف تهلكون قرية فيها هذا العبد الصالح؟ {قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا فِيهَا}: أي قالت الملائكة: نحن أعلم بمن في هذه القرية من المؤمنين والكافرين، وقد أمرنا الله بحفظ الصالحين وإهلاك الظالمين؛ {لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ}: أي سنخرجه وأهله المؤمنين سالمين معافين، إلا امرأته الكافرة فإنها باقية في العذاب هالكة مع قومها لخضوعها وممالأتها لهم على باطلهم".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 275)مصدر غير محدد٦/٢٧٥: "هذا يدل على كمال شفقة إبراهيم وحرصه على سلامة المؤمنين، فطمأنته الملائكة بأن الله لا يهلك الصالحين بذنوب المفسدين، بل ينجي أهل الحق، ويهلك من رضي بالباطل ولو كانت زوجة نبي".
وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر {لَنُنَجِّيَنَّهُ} بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد للتكثير والمبالغة في التنجية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
الْغَابِرِينَ: الغابر هو الباقي في الهلاك والماضي مع الهالكين، وأصل الغبور البقاء بعد مضي الشيء أو التراب المتبقي.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
قَالَ: ماضٍ وفاعله يعود على إبراهيم.
إِنَّ فِيهَا لُوطًا: إن وجار ومجرور خبرها مقدم، و"لوطاً" اسمها مؤخر منصوب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
حوار الشفاعة والرحمة النبوية؛ فإبراهيم عليه السلام يمثل قلب النبوة الرحيم بالأمة والمشفق على الصالحين، فبادر بالسؤال عن لوط، فجاء الرد الملائكي ليقرر قاعدة العدل المطلق وحصانة المؤمنين عند نزول الصواعق.
التناسب التركيبي الداخلي:
تطمين إبراهيم بإحاطة العلم الإلهي الدقيق {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا فِيهَا}، ثم إقسام الملائكة على نجاة لوط وبناته {لَنُنَجِّيَنَّهُ}، واستثناء الزوجة الخائنة لمبادئ زوجها {إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط النسب والمصاهرة عند مفارقة الدين:
تقدم الآية درساً عقدياً حاسماً: "القرابة الزوجية لا تعصم من عذاب الله إذا انقطعت رابطة الإيمان"؛ فامرأة لوط كانت تحت عبد صالح ونبي كريم، تأكل من طعامه وتعيش في بيته، ولكن لما كانت كافرة موالية لأهل الفاحشة تدلهم على الضيوف، لم ينفعها قربها منه، واستثنيت من النجاة وهلكت مع الهالكين.
صيغة التفضيل في {أَعْلَمُ}: للدلالة على العلم التام الدقيق الذي لا يعزب عنه أحد؛ فلا يختلط الصالح بالفاسد عند نزول العذاب.
التأكيد بالقسم ونون التوكيد في {لَنُنَجِّيَنَّهُ}: لقطع دابر القلق وبث السكينة في روع إبراهيم.
التعبير بـ {الْغَابِرِينَ}: تصوير بقائها في حفرة العذاب كالأثر المندثر والتراب الهامد.
الظلال التدبرية والإشارية:
لا تزر وازرة وزر أخرى؛ لو اجتمعت قرية كاملة على الفساد وبقي فيهم مؤمن واحد لاستنقذه الله ونجاه من بين أطباق العذاب، فالعدالة الإلهية أدق من موازين الذر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
شفقة المصلحين وحرصهم على سلامة الصالحين والمستضعفين؛ فالداعية يحمل قلباً رحيماً يحزن للمصائب ويفرح بالنجاة.
الآثار التربوية والوجدانية:
الحذر من موالاة أهل الفسق والرضا بباطلهم؛ فإن الرضا بالمعصية مشاركة في الإثم واستجلاب للعقاب.
اليقين بحفظ الله للمؤمنين عند نزول الزلازل والنوازل.