البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 425)مصدر غير محدد١٨/٤٢٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى لنبيه: قل لهؤلاء المعاندين المكذبين بعد قيام الحجج وإيضاح كفاية القرآن: حسبي وحسبكم الله شاهداً فاصلاً بيني وبينكم؛ يشهد لي بأني بلغتكم رسالته وأديت الأمانة، ويشهد عليكم بتكذيبكم وعنادكم، {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ونياتكم، {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ}: أي صدقوا بالأوثان والأنداد والشبهات والأهواء، {وَكَفَرُوا بِاللَّهِ}: وجحدوا توحيده ورسله وكتابه، {أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}: هم الخاسرون لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، الذين غبنوا أعظم الغبن فاشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 285)مصدر غير محدد٦/٢٨٥: "كفى بالله شهيداً يعلم ما في السماوات والأرض، وسيجزي كل عامل بعمله، وقد حكم بالخسران المطلق على من آمن بالباطل وكفر بالله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
شَهِيدًا: الشاهد الحاضر المطلع العليم الذي يؤدي الشهادة بحق وقسط.
الْبَاطِلِ: كل ما لا حقيقة له ولا ثبات، وضد الحق، ويدخل فيه الشرك وسائر المعاصي.
الْخَاسِرُونَ: الذين ضيعوا رأس مالهم الحقيقي (أنفسهم وأعمارهم) وخاب سعيهم في الدارين.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ: أمر، "كفى" ماضٍ مبني على فتح مقدر، الباء حرف جر زائد للتوكيد، لفظ الجلالة فاعل كفى مجرور لفظاً مرفوع محلاً.
يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: مضارع وفاعله مستتر، "ما" موصول مفعول به، وشبه الجملة صلته، والجملة في محل نصب حال من لفظ الجلالة أو مستأنفة مفسرة للشهادة.
هُمُ الْخَاسِرُونَ: "هم" ضمير فصل لا محل له أو مبتدأ ثالث، و"الخاسرون" خبره، وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول (الذين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
المفاصلة التامة وتفويض الحكم إلى المحكمة الإلهية العليا؛ فحين استنفدت البراهين ورفضوا كفاية القرآن، قطع النبي صلى الله عليه وسلم الجدال العقيم بالاحتكام إلى شهادة الله العليم بكل ذرة في السماوات والأرض، ليعلم المعاندون أن القضية لم تعد نقاشاً نظرياً بل هي مسألة خسران أبدي ينتظرهم.
التناسب التركيبي الداخلي:
القرن بين شهادة الله وعلمه المحيط {شَهِيدًا ۖ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} لبيان أن شهادته قائمة على علم قطعي لا يداخله وهم، ثم المقابلة بين الإيمان بالباطل والكفر بالله، وحصر الخسران المطلق في أصحابه بضمير الفصل وأل الجنسية: {أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الخسران المطلق في ميزان الوجود:
تعرف الآية "الخاسر الحقيقي" تعريفاً قرآنياً حاسماً: ليس الخاسر من نقص ماله أو قل جاهه في الدنيا، بل الخاسر المطلق هو من {آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ}؛ لأنه استبدل السراب بالماء، والظلمات بالنور، وباع النعيم الأبدي الخالد بعرض دنيوي زائل؛ فأي صفقة أشد خسراناً من هذه الصفقة المغبونة؟
دخول الباء الزائدة في فاعل كفى {بِاللَّهِ}: لتأكيد كفاية الله التامة في الشهادة؛ فلا حاجة بعد شهادته سبحانه إلى شهادة مخلوق.
القصر والحصر بضمير الفصل {أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}: للدلالة على أن الخسران الحقيقي الكامل محصور فيهم، حتى كأن كل خسران سواهم هين لا يُلتفت إليه.
الظلال التدبرية والإشارية:
حين يعاندك المبطلون وتنسد أبواب الحوار، فوض أمرك إلى الله وقل بقلب واثق: "كفى بالله بيني وبينكم شهيداً"؛ فالله شهيد يرى جهدك وصدقك، وسيفصل بين العباد بالعدل يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
إنهاء الجدال العقيم بالمفاصلة والتوكل على الله؛ فالداعية لا يستنزف طاقته في مراء لا طائل تحته مع من اختار العناد وجحد البينات.
الآثار التربوية والوجدانية:
الطمأنينة الكاملة لشهادة الله وعلمه بما يقدمه العبد من عمل وبلاغ.
الحذر التام من الركون إلى الباطل وأهله لئلا يلحق العبد هذا الخسران المبين.