البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 354)مصدر غير محدد١٨/٣٥٤ عن ابن عباس وقتادة والحسن: "{وَمَن جَاهَدَ}: أي ومن جاهد نفسه وهواه والشيطان وأعداء الله، وصبر على مشاق الطاعة وترك المعاصي والابتلاء في ذات الله، {فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ}: أي فإنما يعود نفع ذلك الجهاد وثوابه وخيره على نفسه؛ لأن الله تعالى لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين. {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}: غني عن جميع خلقه، وعن عبادتهم وجهادهم وأعمالهم، غنى ذاتياً مطلقاً أزلياً وأبدياً".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 264)مصدر غير محدد٦/٢٦٤: "كقوله تعالى: {مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ}، فإن الله تعالى غني عن العباد، ولو كان العباد كلهم على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئاً، كما في الحديث القدسي العظيم في صحيح مسلم (حديث: 2577)".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 328)مصدر غير محدد١٣/٣٢٨ أن الجهاد هنا عام يتناول جهاد النفس الأمارة بالسوء، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار والمنافقين بالحجة واللسان والسنان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
جَاهَدَ: المجاهدة هي استفراغ غاية الوسع والجهد والطاقة في مدافعة العدو والمكاره ومغالبة الهوى.
لَغَنِيٌّ: الغنى هو عدم الحاجة إلى الغير؛ وغنى الله صفة كمال ذاتية تفيد استغناءه التام عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه.
الْعَالَمِينَ: جمع عالَم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، وسمي عالَماً لأنه علامة على وجود خالقه وكماله.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَمَن جَاهَدَ: الواو عاطفة، "من" اسم شرط جازم مبتدأ، "جاهد" ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تقرير حقيقة التكليف والجهاد؛ فبعد أن بين أن لقاء الله آتٍ للمشتاقين، أوضح هنا أن ما يطلبه الله من عباده من بذل وتضحية وجهاد وصبر ليس لحاجة الإله - حاشاه - إلى نصرتهم أو عبادتهم، بل هو محض رحمة وفضل ليرتقي العبد ويكمل نفسه وينال السعادة الأبدية.
التناسب التركيبي الداخلي:
استعمال أداة الحصر {فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} لقطع كل منّة في نفس العبد على ربه أو دينه، ثم تعليل هذا الحصر بالجملة الاسمية المؤكدة بإنّ واللام: {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إسقاط داء المنّ والإدلال على الله:
تعالج الآية أخطر مرض قد يصيب المجاهدين والدعاة: وهو استشعار "المنّة" على الدين أو المجتمع بما قدموا من تضحيات وأموال ودماء. تبين الآية ببرهان عقلي قاطع أن الله غني عنك وعن عملك، وأن توفيقه لك للجهاد هو منّة منه عليك، وأنك أنت المستفيد الأول والأخير من كل سجدة وبذل وتضحية؛ فالنفع عائد إليك في الدنيا بصلاح القلب وفي الآخرة بالنعيم المقيم.
القصر والحصر بـ {إِنَّمَا}: لحصر أثر الجهاد وثمرته في مصلحة العبد المجاهد نفسه نفياً قاطعاً لحاجة الله إلى ذلك.
العموم والاستغراق في {عَنِ الْعَالَمِينَ}: ليدخل فيه الإنس والجن والملائكة والعرش والكرسي، فالكون بأسره فقير إلى الله والله غني عن الجميع.
الظلال التدبرية والإشارية:
حين يعلم المجاهد أن جهاده استنقاذ لنفسه، يتحول تعبه إلى شكر، ويتحول ألمه إلى فرح بالنعمة؛ فلا يرى لنفسه فضلاً على أحد، بل يرى الفضل كله لله الذي استخلصه وشرفه بحمل راية دينه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تطهير صفوف الدعوة من أصحاب الأطماع وحب الثناء؛ فالداعية يعلم الناس أن الله لا ينتظر عوناً من أحد، وأن شرف الانتساب للدين نعمة تستوجب الخضوع والانكسار.
الآثار التربوية والوجدانية:
الإخلاص المطلق والتجرد في كل طاعة وجهاد؛ فلا يطلب العبد جزاءً ولا شكوراً من الخلق.