البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 444)مصدر غير محدد١٨/٤٤٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يمتنّ الله جل ثناؤه على قريش وأهل مكة بأعظم نعمة دنيوية خصهم بها، ويقرعهم على كفرانها: أولم ينظر هؤلاء المشركون ويعلموا بصيرتنا ونعمتنا عليهم أننا جعلنا بلدهم وبلدتهم حرماً آمناً ذا أمن وطمأنينة، يأمن فيه ساكنه ودابته وشجره وطيره، في حين أن العرب من حولهم في سائر أقطار الجزيرة يعيشون في رعب دائم، يُغار عليهم، ويُسلبون، وتُنهب أموالهم، وتُسبى نساؤهم، وتُسفك دماؤهم؟ {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ}: أفبالأوثان والشياطين والأنداد يصدقون ويعبدونها، {وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}: وبنعمة الله المسداة إليهم في الحرم والأمن والرزق وإرسال الرسول يجحدون ويعصون؟".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 290): "يذكرهم بنعمته عليهم في حرمه الذي وضعه لهم، فهم في أمن وعافية ورزق يتخطف الناس من حولهم من سائر أرجاء البلاد، فكان الواجب عليهم إفراد العبادة للمنعم لا الإشراك به".
*تفسيره* (ج 6، ص 290)مصدر غير محدد٦/٢٩٠
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
حَرَمًا: الحرم هو المكان المحرم المعظم المحمي الذي يحرم فيه القتال وسفك الدماء وصيد الطير وقطع الشجر.
يُتَخَطَّفُ: التخطف هو الأخذ بسرعة وسلب واختلاس وقهر، مأخوذ من خطف الطير إذا استلب الشيء سريعاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الرد على عذر قريش الباطل في رفض الهداية؛ فقد كانوا يقولون كما حكى الله عنهم في سورة القصص: {إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}، فجاءت هذه الآية لتسقط هذا العذر الكاذب؛ مبيناً أن الذي حماكم في الحرم الآمن والناس من حولكم يتخطفون وينهبون، قادر على حمايتكم إذا آمنتم بالهدى واتبعتم الرسول؛ فكيف تخافون التخطف وأنتم في كنف الله؟ وكيف تعبدون الباطل وتكفرون بنعمة المنعم؟
التناسب التركيبي الداخلي:
المقابلة الصارخة بين واحة الأمن الفريدة {حَرَمًا آمِنًا} وبين جحيم الرعب المحيط في الجزيرة {وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}، ثم الاستفهامين الإنكاريين المقرونين بتقديم المعمول: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط التبرير الأمني للارتكاس العقدي:
تفضح الآية مسلك النفعيين الذين يضحون بالعقيدة والشريعة تحت ذريعة "الحفاظ على المكتسبات الأمنية والاقتصادية"؛ فتبين أن الأمن الحقيقي منحة إلهية محضة امتن الله بها عليهم ببركة دعوة إبراهيم عليه السلام، وأن كفران النعمة بالشرك وظلم الضعفاء هو السبب الحقيقي لزوال الأمن واستجلاب الخوف والجوع؛ كما قال تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.
تقديم الجار والمجرور في الموضعين {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} و{وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}: للتوبيخ والتشنيع؛ لإبراز قبح مقصدهم واقتصار إيمانهم على الباطل واقتصار كفرانهم على نعمة مسديهم الحق.
التعبير بـ {يُتَخَطَّفُ} بصيغة المبني للمجهول: لتصوير عموم الخوف والنهب وسرعة الاقتناص والافتراس السائد خارج الحرم.
الظلال التدبرية والإشارية:
الأمن والاستقرار أعظم نعم الدنيا بعد الإيمان؛ فمن عاش آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها؛ وشكر نعمة الأمن يكون بتعبيد البلاد لله لا بتمكين الشرك ومحاربة المصلحين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تذكير المجتمعات المستقرة بنعم الأمن والسلامة، وتحذيرها من كفران النعم؛ فإن كفر النعم يقلب الأمان رعباً والرخاء جوعاً.
الآثار التربوية والوجدانية:
شكر الله الدائم على نعمة الأمن في الأوطان وصحة الأبدان.
إخلاص العبادة لرب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.