البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي وأصحابه بمكة، حديث: 3852) عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".
وينقل الطبري (ج 18، ص 349)مصدر غير محدد١٨/٣٤٩ عن ابن عباس ومجاهد والضحاك أن الآية نزلت في أناس من أهل مكة أسلموا، فكان المشركون يعذبونهم ويؤذونهم، فضاقت صدورهم وظنوا أن الإيمان يمنع عنهم المكاره، فأنزل الله هذه الآية مبكتاً لهم ومخبراً بسنته في الابتلاء.
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 262)مصدر غير محدد٦/٢٦٢: "الاستفهام في قوله: {أَحَسِبَ النَّاسُ} استفهام إنكاري توبيخي، ومعناه أن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح: «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه»".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
أَحَسِبَ: الحسبان هو الظن المقارب لليقين في وهم صاحبه، وتأتي الهمزة قبله لإفادة الإنكار وإبطال هذا الظن الفاسد.
يُتْرَكُوا: الترك هو التخلية والإهمال دون رقابة أو امتحان أو تكليف.
يُفْتَنُونَ: الفتنة أصلها في لسان العرب إدخال الذهب في النار لتخليصه من الشوائب وتمييز الجيد منه من الرديء؛ ثم استعملت في الابتلاء والاختبار بالشدائد والمكاره والشهوات والشبهات.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
أَحَسِبَ: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، "حسب" فعل ماضٍ يطلب مفعولين.
أَن يَقُولُوا: في محل نصب مفعول لأجله بتقدير لام العلة (أي لأن يقولوا)، أو في محل نصب بدل اشتمال من المصدر المؤول السابق، أو في محل جر بحرف جر محذوف (أي على أن يقولوا).
آمَنَّا: فعل ماضٍ مبني على السكون ونا فاعل، والجملة في محل نصب مقول القول.
وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ: الواو واو الحال، "هم" ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، "لا" نافية، "يفتنون" مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، وجملة الفعل والنائب في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو "يتركوا".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تضع الآية حجر الأساس لمنهج السورة كلها؛ فبعد الحروف المقطعة الموقظة، واجهت الآية النفس الإنسانية مباشرة بإسقاط وهم التدين السهل البارد، ممهدة للمواقف والمحن التي مرت بالأنبياء المذكورين بعدها في السورة كنوح وإبراهيم ولوط.
التناسب التركيبي الداخلي:
تضمنت الآية تركيباً غاية في الإحكام: الاستفهام الإنكاري، ثم تقييد الترك بالقول المجرد {أَن يَقُولُوا آمَنَّا}، ثم تقييد الحال بنفي الفتنة {وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}؛ ليتقرر في الأذهان أن مجرد الدعوى اللسانية لا تكفي للنجاة والتمكين دون اجتياز كير الابتلاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الحكمة العقلية والشرعية من الابتلاء:
قد يوسوس الشيطان لبعض النفوس: لمَ يبتلي الله المؤمنين وهو قادر على حمايتهم ونصرهم فوراً؟
الجواب الإيماني والسنني:
لو كان الإيمان يعقبه النصر الدائم والرخاء المطلق، لدخل في الدين كل طامع ومنافق وأفاك طلباً للدنيا، واختلط الصادق بالكاذب.
الفتنة تصقل النفس وتطهرها من رواسب الشرك وحب الراحة والأنانية، فتكتسب الصلابة واليقين.
نيل الدرجات العلى ومقاعد الصدق في الجنة لا يليق به إلا من ضحى في سبيل ربه وصبر على لأواء الطريق.
الاستفهام الإنكاري الإبطالي: في {أَحَسِبَ النَّاسُ}؛ لإلغاء أي احتمال لهذا التوهم وقطع كل أمل في دعوى الإيمان المجرد.
الاستعارة التصريحية أو التبعية في لفظ {يُفْتَنُونَ}: استعارة صهر الذهب بالنار لإبراز حقيقة الشدائد وأنها ليست انتقاماً من المؤمن بل هي تصفية لجوهر إيمانه ليخرج خالصاً ناصعاً.
الظلال التدبرية والإشارية:
الإيمان سلعة الله الغالية؛ وسلعة الله لا تنال بالمجان؛ فمن ظن أنه يسير إلى الجنة في طريق مفروش بالورود والرياحين فهو جاهل بسنن الله في خلقه، والابتلاء قدر حتمي فليستعد له السائرون بالصبر واليقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
مصارحة المدعوين منذ البداية بتبعات الإيمان ومسؤولياته، وعدم إعطائهم وعوداً كاذبة بالراحة الدنيوية العاجلة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يبع أصحابه أوهاماً، بل رباهم على الصبر والتحمل.