البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 407)مصدر غير محدد١٨/٤٠٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في تصنيف عقوبات الأمم المذكورة في السورة:
{فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا}: وهي الريح العاصف الشديدة التي تحصب بالحجارة وترجم بها كقوم لوط، وقيل قوم عاد بالريح العقيم.
{وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ}: وهو الصوت المهدود الهائل من السماء الذي صدع قلوبهم وأزهق نفوسهم كثمود وقوم شعيب.
{وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ}: كقارون الذي غارت به وبداره الأرض وهوى في طبقاتها.
{وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا}: كقوم نوح بالطوفان الجارف، وفرعون وهامان وجنودهما في لجة اليم.
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ}: ما كان الله ليعذبهم بغير ذنب اقترفوه، ولا ليعاقبهم بزيادة على ما استحقوه، {وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: بالكفر والتكذيب والاستكبار والفسوق؛ فكان هلاكهم حصاد أعمالهم.
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 278)مصدر غير محدد٦/٢٧٨: "هذا استقصاء قرآني بديع لعقوبات الأمم، يبرهن على أن تنوع العقوبات كان بحسب تنوع جرائمهم وفسادهم، وكلها تدل على نفاذ القدرة والعدل التام".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
حَاصِبًا: ريح شديدة تقلع الحصباء وترمي بالحجارة، مأخوذ من الحصب وهو الرمي بالحجارة الصغيرة.
الصَّيْحَةُ: الصوت المنكر الشديد البالغ أقصى درجات الشدة المروعة للقلوب.
الْخَسْفُ: الغؤور في جوف الأرض وابتلاعها لما عليها.
الْغَرَقُ: الغلبة بالماء والغمود فيه حتى الهلاك وانقطاع التنفس.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
فَكُلًّا: الفاء فصيحة، "كلاً" مفعول به مقدم للفعل "أخذنا" منصوب بالفتحة ويفيد الاستغراق والشمول، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه (أي فكل هؤلاء المذكورين).
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ: ما نافية، كان ماضٍ ناقص ولفظ الجلالة اسمها، اللام لام الجحود، يظلمهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود والهاء مفعول به، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بمحذوف خبر كان.
وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: استدراك، كان واسمها، أنفسهم مفعول به مقدم ليظلمون، وجملة يظلمون خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الخلاصة الكلية الجامعة والتصنيف الرباني المحكم لمصارع الأمم المذكورة في السورة؛ فبعد ذكر نوح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وعاد، وثمود، وقارون، وفرعون، وهامان، لخصت هذه الآية سنن الاستئصال بحسب العناصر الكونية الأربعة: الريح الحاصب (الهواء)، والصيحة (الصوت المزلزل)، والخسف (التراب والأرض)، والغرق (الماء)؛ ليعلم الناس أن جنود الله في الطبيعة مسخرة للانتقام من الظالمين.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تنزيه العدالة الإلهية وتقرير المسؤولية البشرية:
تقطع الآية دابر الشبهة الشيطانية التي تزعم أن العقوبات الإلهية قسوة أو ظلم؛ فبينت بلام الجحود القطعية {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أن الله منزه تنزيهاً مطلقاً عن ظلم أصغر مخلوق؛ فالعقوبة لم تأتِ إلا بعد قيام الحجة بالبينات، وإنذار الرسل، وإعطاء المهل الطويلة، فكان نزول العذاب هو الدواء الأخير لاستئصال ورم الفساد عن جسد البشرية، والإنسان هو الذي جنى على نفسه بالظلم.
تقديم المفعول {كُلًّا}: لإفادة الشمول التام والاستقصاء؛ فلم يفلت من هذا الأخذ الرباني جبار ولا شريف ولا غني.
لام الجحود في {لِيَظْلِمَهُمْ}: وهي أقوى أدوات نفي الفعل في العربية؛ لتدل على استحالة واستنكاف نسبة الظلم إلى الذات الإلهية المقدسة.
تقديم المعمول {أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: للحصر والاختصاص؛ أي لم يظلموا إلا أنفسهم لا غيرها، فكل معصية يعصي بها العبد ربه إنما يغرس بها خنجراً في صدر نفسه ومستقبله.
الظلال التدبرية والإشارية:
عناصر الكون جند مسخرة لربها؛ الهواء الرقيق الذي نتنفسه ينقلب حاصباً مدمراً، والصوت الذي نسمعه ينقلب صيحة قاتلة، والتراب الذي نمشي عليه ينشق خسفاً مروعاً، والماء الذي نشربه يفيض غرقاً مهلكاً؛ فمن بارز الله بالمعاصي سلط الله عليه أضعف جنوده فكان هلاكه فيه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
ترسيخ العقيدة الصحيحة في أفعال الله تعالى؛ فالإهلاك مبني على الذنوب، والتوبة والرجوع هما صمام الأمان الوحيد للأمم والشعوب.
الآثار التربوية والوجدانية:
الخوف الشديد من شؤم الذنوب وآثارها المدمرة في الأبدان والمجتمعات.