البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 421)مصدر غير محدد١٨/٤٢١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن: "يقول تعالى: ليس الأمر كما يزعمه هؤلاء المبطلون من أنه سحر أو أساطير الأولين؛ {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ}: بل هذا القرآن آيات واضحات نيرات دالات على الحق والتوحيد والإعجاز، {فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}: محفوظة مستقرة في قلوب وصدور الصحابة وأهل العلم والمؤمنين، لا تمحوها المياه، يقرؤونها عن ظهر قلب ويتدبرون أحكامها؛ وهذه من الخصائص المتفردة لهذه الأمة في حفظ كتابها غيباً في الصدور، {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ}: وما ينكر دلالاتها الواضحة وحفظها المعجز إلا المعتدون المتجاوزون للحق ظلماً واستكباراً".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 284): "أي هذا القرآن آيات بينات في الدلالة على الحق أمراً ونهياً وخبراً، يحفظه الله في صدور العلماء وصدور أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما جاء في صحيح مسلم (حديث: 2865) في الحديث القدسي: «إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ»".
*تفسيره* (ج 6، ص 284)مصدر غير محدد٦/٢٨٤
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
بَلْ: حرف إضراب وانتقال وإبطال لمزاعم الخصوم السابقة وإثبات لما بعده.
بَيِّنَاتٌ: واضحات جليات تفصح عن الحق وتبينه بلا لبس.
صُدُورِ: جمع صدر، والمراد به القلوب والعقول والمشاعر الكامنة فيها.
الظَّالِمُونَ: المعتدون الجائرون الذين وضعوا التكذيب في موضع التصديق الواجب.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
بَلْ: حرف إضراب وابتداء.
هُوَ آيَاتٌ: مبتدأ وخبر مرفوع بالضمة (أي القرآن آيات).
بَيِّنَاتٌ: نعت لآيات مرفوع بالضمة.
فِي صُدُورِ: جار ومجرور نعت ثانٍ لآيات أو متعلقان ببينات.
الَّذِينَ: اسم موصول مضاف إليه.
أُوتُوا الْعِلْمَ: ماضٍ مبني للمجهول، والواو نائب فاعل مفعول أول، و"العلم" مفعول به ثانٍ، والجملة صلة الموصول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
بيان أعظم مزية وإعجاز لكتاب الله؛ فبعد أن نفى قراءته وكتابته من كتب السابقين، أثبت هنا المقر الحقيقي للقرآن: وهو أنه ليس مجرد وثيقة ورقية تخط وتتلى، بل هو نور مستقر في صدور الرجال وأفئدة العلماء، محفوظ في الذاكرة الحية للأمة لا يقدر طاغوت على إحراقه أو محوه.
التناسب التركيبي الداخلي:
الإضراب بـ {بَلْ} لنقض كل أوهام المبطلين، ووصف الآيات بـ {بَيِّنَاتٌ} لبيان وضوحها الذاتي، وتحديد وعائها الشريف {فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}، وختامها بحصر الجحود في الظالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
معجزة حفظ القرآن في الصدور وتفرده التاريخي:
تبرز الآية الخاصية الكبرى التي ميز الله بها القرآن عن سائر الكتب السماوية السابقة؛ فالكتب السابقة (التوراة والإنجيل) كانت مودعة في ألواح وأسفار ورقية يحفظها الكهان، فلما أحرقت الأسفار أو تفرقت ضاع معظمها ودخلها التحريف؛ أما القرآن فقد جعله الله محفوظاً في صدور مئات الآلاف والملايين من حفظة الأمة في كل جيل، يتلونه صغاراً وكباراً غيباً بحروفه وحركاته، فلو أحرقت مصاحف الأرض قاطبة لخرج القرآن من صدور أطفال المسلمين غضاً طرياً كما أنزل! وهذا برهان إعجازي باهر.
العدول إلى {فِي صُدُورِ}: بدلاً من "في كتب" أو "في صحف"؛ للإشعار بحياة هذا الكتاب واستقراره في قلوب المؤمنين وامتزاجه بأرواحهم.
صيغة المبني للمجهول في {أُوتُوا الْعِلْمَ}: للدلالة على أن العلم بالله وكتابه منحة واصطفاء رباني يُعطى لأهل الصدق والإخلاص.
الظلال التدبرية والإشارية:
شرف حملة القرآن؛ الصدور التي استودعت كلام الله هي أوعية مقدسة تحمل نور السماء؛ فمن أوتي القرآن في صدره فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، فليصن ذلك الصدر عن دنس الأحقاد والشهوات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
العناية بحفظ القرآن الكريم في الصدور وتعليمه للأجيال في الكتاتيب والمحاضن القرآنية؛ فهو الحصن الحصين لهوية الأمة.