البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 355)مصدر غير محدد١٨/٣٥٥ عن ابن عباس وقتادة: "يقول تعالى مقسماً بوعده الصادق: والذين جمعوا بين التصديق القلبي بالله ورسوله، والعمل الصالح بجوارحهم، لنسترن عليهم سيئاتهم وذنوبهم الماضية ولنغفرنها لهم حتى كأنها لم تكن، ولنجزينهم في الآخرة بأحسن ما عملوا من الطاعات؛ فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة يمحوها الاستغفار والعمل الصالح".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 264)مصدر غير محدد٦/٢٦٤: "أي نكفر عنهم بصالح الأعمال ما سلف من سيئاتهم، كقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، ونجزيهم على أدنى حسنة بأحسن ما يجازى به المحسنون، فتضاعف أجورهم بفضل الله وكرمه".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 329)مصدر غير محدد١٣/٣٢٩ أن التكفير ستر للذنب وإسقاط للعقوبة، والجزاء بالأحسن هو مضاعفة الثواب إلى ما لا يحصيه إلا الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
لَنُكَفِّرَنَّ: التكفير مشتق من الكفر وهو الستر والتغطية؛ ومعناه محو الذنب وستره وإسقاط المؤاخذة به.
أَحْسَنَ: اسم تفضيل، والمقصود به الجزاء الحسن الأوفى الأفضل، أو على أحسن ما عملوا وهو الطاعات لأن أعمالهم تشتمل على المباح والطاعة فالجزاء على أحسنها.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَالَّذِينَ آمَنُوا: الواو عاطفة أو استئنافية، "الذين" اسم موصول مبتدأ، وجملة "آمنوا" صلته.
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: معطوف، والصالحات مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
لَنُكَفِّرَنَّ: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، "نكفرن" مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره نحن نون العظمة، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ أو جواب قسم والمبتدأ مخبر عنه بجواب القسم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الجزاء المترتب على الجهاد والإيمان؛ فبعد أن قرر في الآية السابقة: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ}، بين هنا ما يعود على تلك النفس من النفع الأعظم؛ وهو النجاة المزدوجة: التخلية بمحو السيئات وتكفيرها، والتحلية بنيل أعظم الثواب على أحسن الأعمال.
التناسب التركيبي الداخلي:
تأكيد العطاء بجوابين مقسم عليهما مؤكدين بنون التوكيد: {لَنُكَفِّرَنَّ... وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ}، والمقابلة بين محو الأدنى (السيئات) ومضاعفة الأعلى (أحسن ما كانوا يعملون).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قانون محو السيئات بالحسنات:
تثبت الآية عدالة ورحمة المنهج الإلهي؛ فالإنسان ليس معصوماً من الخطأ والزلل، ولو حوسب على كل سيئة لهلك، ولكن الله بفضله جعل الإيمان الصادق والمكابدة في طاعته مذهبة للخطايا ومسقطة لتبعاتها، مما يبعث الأمل في النفوس ويمنع من اليأس والقنوط.