دلالة الحروف المقطعة في مستهل السور: روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير الحروف المقطعة أنها أسماء لله تعالى أقسم بها، أو هي فواتح افتتح الله بها كتابه للتنبيه، ونقل الإمام الطبري في جامع البيان (ج1/ ص205 وما بعدها) بإسناده عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن {الم} حروف من حروف المعجم استأثر الله بعلمها، وقيل هي إشارة إلى إعجاز القرآن العظيم.
التوجيه المعتمد عند المحققين: ذهب جمهور المحققين كابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج1/ ص158)تفسير القرآن العظيمابن كثير١/١٥٨ والقرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج1/ ص154)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١/١٥٤ إلى أن الحروف المقطعة في أوائل السور سيقت لبيان إعجاز القرآن، وتحدي العرب الفصحاء وأهل البلاغة بأن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الحروف الهجائية التي ينظمون منها كلامهم، ومع ذلك عجزوا عن معارضته بمثله أو بسورة من مثله، فدل ذلك على أنه تنزيل من حكيم حميد.
القراءات والتوجيه الصوتي: قرأ القراء العشرة بسكون أواخر الحروف الثلاثة في حال الوقف «ألفْ، لامْ، ميمْ»، وفي حال الوصل مع الآية التالية {غُلِبَتِ} يجوز فتح ميم {الم} للتخلص من التقاء الساكنين مع تفخيم اللام وترقيق الميم، أو كسرها على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، والفتح هو المقدم والمشهور عند حفص عن عاصم لاتباع حركة همزة الوصل الملغاة في النطق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللفظي والمعجمي: {الم} ثلاثة أحرف نُطقت بأسمائها لا بمسمياتها؛ فالألف مبدؤها من أقصى الحلق، واللام من حافة اللسان إلى منتهاها، والميم من الشفتين، فاستوعبت مخارج الحروف الرئيسية (الحلق، اللسان، الشفتين)، وفي ذلك إيقاظ لحواس السامع لاستقبال النبأ الكوني العظيم.
الإعراب والتركيب النحوي:
الرأي الأول (الأرجح): {الم} لا محل لها من الإعراب لأنها أسماء للحروف مقطوعة عما بعدها كأعداد الحساب (واحد، اثنان، ثلاثة)، سُردت لبيان أصوات الحروف.
الرأي الثاني: في محل رفع مبتدأ، وخبرها الجملة الفعلية التالية {غُلِبَتِ الرُّومُ}، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: «هذه الم».
الرأي الثالث: في محل نصب بفعل محذوف تقديره: «اتلُ الم»، أو منصوبة على القسم وحذف حرف القسم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الفاتحة في بناء السورة: افتتاح السورة بالحروف المقطعة يهيئ أسماع العرب المشركين الذين تواطؤوا على اللغو في القرآن والتشويش عليه؛ فلما قرعت أسماعهم هذه الحروف المبهمة المتفرقة سكتوا وأنصتوا لمعرفة ما بعدها، ففوجئوا بالحديث عن معركة كبرى تدور خارج جزيرتهم بين إمبراطوريتي فارس والروم.
التناسب مع ختام سورة العنكبوت: خُتمت سورة العنكبوت بالحث على الجهاد الإيماني ومعية الله للمحسنين: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، فجاءت فواتح الروم لتقرر أن معية الله ونصرته ليست أمراً خيالياً، بل هي حقيقة تتجلى في حركة التاريخ والسياسة الدولية، ونصر أهل الكتاب على المشركين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة اللغو أو انعدام المعنى في فواتح السور: زعم بعض الطاعنين أن الحروف المقطعة ألفاظ مهملة لا معنى لها تنزه كلام الله عنها.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة: دفع الأئمة كفخر الدين الرازي (مفاتيح الغيب، ج2/ ص240)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٢/٢٤٠ وابن عاشور (التحرير والتنوير، ج1/ ص205)التحرير والتنويرابن عاشور١/٢٠٥ هذه الشبهة بوجوه:
أن اللفظ قد لا يكون له معنى وضعي مفرد في لسان العرب، لكن له دلالة مقامية ووظيفية بالغة التأثير، كوظيفة التنبيه، وقرع الأسماع، والافتتاح المعجز.
أن نزولها بلغة العرب التي يتكلمون بها هو في ذاته أبلغ برهان عقلي؛ إذ لو كانت لغواً لعابها بلغاء قريش وفصحاؤها وهم أحرص الناس على الطعن في القرآن، فلما سكتوا وسلّموا دل على جريانها على سنن العرب في التنبيه وابتداء الخطاب.
البراعة الاستهلالية: في استهلال السورة بالحروف المقطعة براعة استهلال بيانية؛ حيث يقطع الصوت الحلقي (الألف) سكون الصمت، ثم يمتد النفس في (اللام) بمقدار ست حركات مداً لازماً، ثم ينساب في (الميم) مع الغنة الرخيمة، مما يولد إيقاعاً مهيباً يجلب الاستماع ويوقظ الوجدان.
الإشارة التدبرية: تدل فواتح السور على أن هذا القرآن كتاب معجز مركب من ذات العناصر اللغوية المتاحة للجميع، كما أن الخلق مركب من التراب الذي يدوسه الناس ومع ذلك يعجزون عن خلق ذرة؛ فالإعجاز في الصياغة والنظم والإحكام الإلهي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب الإنصات لكلام الله: غرس تعظيم القرآن وتلقيه بقلب حاضر؛ فإذا كان المشركون قد أصاخت أسماعهم لحروف مقطعة، فأولى بالمؤمن أن يفتح مسامع قلبه لكل حرف يتلى عليه.
التسليم لعلم الله المطلق: تدريب المسلم على التواضع المعرفي؛ فهناك حقائق وأسرار يستأثر الله بعلمها، مما يكسر كبرياء العقل البشري المحدود، ويجعله يعترف بفقره إلى الهداية الإلهية.