البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 366)مصدر غير محدد١٨/٣٦٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: أن نوحاً عليه السلام كان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد وقوع الشرك في قومه، فمكث يدعوهم إلى عبادة الله وحده تسعمائة وخمسين سنة (ألف سنة إلا خمسين عاماً)، صابراً على تكذيبهم واستهزائهم وأذاهم جيلاً بعد جيل، لم يكلّ ولم يملّ، فلما بلغ البغي مداه وأوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، دعا عليهم فأهلكهم الله بالطوفان الجارف العظيم وأغرقهم وهم ملتبسون بالظلم والشرك.
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 267)مصدر غير محدد٦/٢٦٧: "هذه تعزية بالغة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين في مكة؛ أي لا تيأس ولا تحزن من تكذيب قومك، فهذا نوح مكث في قومه هذه المدة الطويلة جداً يدعوهم ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً، وما آمن معه إلا قليل، ثم كانت العاقبة له ولأتباعه، وأهلك الله المكذبين".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 334)مصدر غير محدد١٣/٣٣٤ أن التعبير بـ "ألف سنة إلا خمسين عاماً" يدل على ضبط المدة على وجه الحقيقة والتحقيق الدقيق الذي لا يدخله التجوز والتقريب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
فَلَبِثَ: اللبث هو الإقامة والمكث الطويل في المكان.
سَنَةٍ / عَامًا: السنة والعام مترادفان في أصل الدلالة على الحول، ولكن غلب استعمال "السنة" في القرآن لمواطن الجهد والشدة والجدب، و"العام" لمواطن الرخاء والخصب والفرج.
الطُّوفَانُ: الماء الكثير المرتفع الطافي الذي يغشى ويغمر كل شيء، وأصله من الطوف والدوران والإحاطة.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا: الواو عاطفة أو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، "قد" حرف تحقيق، "أرسلنا" ماضٍ وفاعله.
وَهُمْ ظَالِمُونَ: الواو واو الحال، مبتدأ وخبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من مفعول أخذهم لبيان أن العقوبة أدركتهم وهم متلبسون بالظلم والشرك لم يتوبوا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الشروع في استعراض موكب الأنبياء كشواهد تاريخية حية على سنة الابتلاء وتمحيص الصابرين؛ والبدء بنوح عليه السلام هو أبلغ درس في الصبر الزمني المديد؛ ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المستعجلون للنصر أن مسيرة الدعوة قد تستغرق قروناً من الصبر والمكابدة، وأن العبرة بالخاتمة والنجاة.
التناسب التركيبي الداخلي:
المقابلة بين طول مدة الصبر والدعوة (950 سنة) وبين سرعة وعموم الهلاك بالطوفان {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ}، وتذييلها بالحال {وَهُمْ ظَالِمُونَ} لتقرير عدالة العقوبة ونفي الظلم عن الله سبحانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
لطيفة التفريق القرآني بين "السنة" و"العام":
لماذا قال تعالى: {أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} ولم يقل: "تسعمائة وخمسين سنة" أو "ألف عام إلا خمسين سنة"؟
التحقيق البياني الباهر عند الزمخشري وابن عاشور والرازي:
أن التعبير بالألف والاستثناء بـ {إِلَّا خَمْسِينَ} ينفي أي توهم للتقريب أو المبالغة؛ فلو قيل: مكث ألف سنة، لظن السامع أنه رقم تقريبي، فلما استثنى خمسين دل على التحديد الحسابي التام.
استعمل لفظ {سَنَةٍ} مع الألف؛ لأن سنوات الدعوة ومعاناة التكذيب كانت سنين مشقة وشدة وجفاف روحي من قومه؛ واستعمل لفظ {عَامًا} مع الخمسين؛ إشارة إلى الخمسين التي عاشها بعد هلاك الكفار وركوب السفينة حيث كان في أمن وخصب ورخاء مع المؤمنين.
الإطناب بالاستثناء: {أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} لتهويل المدة في نفس السامع، وإظهار مدى اتساع أفق الصبر النبوي الذي لا يقاس بسنوات معدودة.
التعريف في {الطُّوفَانُ}: أل للعهد؛ أي الطوفان الكوني الهائل المعهود الذي غطى قمم الجبال وسحق حضارة الشرك.
الظلال التدبرية والإشارية:
تسعمائة وخمسون عاماً والرسول يدعو قوماً جفاة يسخرون منه كلما مروا عليه، لم ينكسر، ولم يغير مبادئه، ولم ييأس من رحمة الله؛ فما بال بعض الدعاة ييأس إذا دعا الناس بضعة شهور أو سنوات فلم يستجيبوا له؟ إن مدرسة نوح هي مدرسة الصمود اللانهائي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
الصبر وطول النفس في الدعوة إلى الله، وعدم قياس النجاح الدعوي بكثرة الأتباع؛ بل النجاح الحقيقي هو الثبات على تبليغ الرسالة بأمانة حتى يأتي قضاء الله.
الآثار التربوية والوجدانية:
علاج الاستعجال والجزع في نفوس العاملين للإسلام.
اليقين بأن الباطل مهما طال عمره فإن سنة الإغراق والاستئصال الإلهية قادمة لا محالة.