البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 369)مصدر غير محدد١٨/٣٦٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد عبدنا وخليلنا إبراهيم حين قال لقومه الذين عبدوا الأوثان من دونه: اعبدوا الله وحده وأخلصوا له الدين وأفردوه بالألوهية، واتقوا سخطه وعقابه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه؛ {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}: أي توحيد الله وعبادته خير وأنفع لكم في عاجل دنياكم وآجل آخرتكم من عبادة أحجار لا تنفع ولا تضر، {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}: إن كنتم من أهل العلم والتمييز الذين يعرفون النافع من الضار والحق من الباطل".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 268)مصدر غير محدد٦/٢٦٨: "يخبر تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخوفهم من بأسه، وبين لهم أن التوحيد هو مصلحتهم العظمى".
ويؤكد القرطبي (ج 13، ص 336)مصدر غير محدد١٣/٣٣٦ أن إبراهيم عليه السلام هو إمام الحنفاء، وبدء ذكره بعد نوح يمثل الانتقال إلى مدرسة المحاجة العقلية وتكسير الأصنام ومواجهة فتن الحكام المستبدين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
اعْبُدُوا: العبادة هي غاية التذلل والخضوع مع غاية المحبة والتعظيم.
وَاتَّقُوهُ: التقوى هي اتخاذ وقاية وحاجز يحمي العبد من غضب الله وعذابه بامتثال أمره واجتناب نهيه.
خَيْرٌ: النفع الأفضل والمصلحة الأسمى التي ترجح على كل ما سواها.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَإِبْرَاهِيمَ: الواو عاطفة، "إبراهيم" مفعول به لفعل محذوف تقديره "اذكر"، أو معطوف على "نوحاً" في الآية (14) والتقدير: ولقد أرسلنا إبراهيم، ومنع من الصرف للعلمية والعجمة.
إِذْ قَالَ: "إذ" ظرف زمان لما مضى مبني على السكون في محل نصب بدل اشتمال من إبراهيم أو متعلق بالفعل المقدر، وجملة "قال" مضاف إليها إذ.
لِقَوْمِهِ: متعلقان بقال، والهاء مضاف إليه.
اعْبُدُوا اللَّهَ: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، ولفظ الجلالة مفعول به، والجملة مقول القول.
وَاتَّقُوهُ: معطوف، فعل وفاعل ومفعول به.
ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ: اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب والميم للجمع، "خير" خبر المبتدأ، "لكم" متعلقان بخير.
إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ: "إن" شرطية جازمة، "كنتم" ماضٍ ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمه، وجملة "تعلمون" خبر كان، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله تقديره: فاتبعوه وأطيعوا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الانتقال من الصبر الطويل المجرد عند نوح، إلى المحاجة الفكرية والتصدي الحركي الباسل عند إبراهيم؛ فإبراهيم عليه السلام خاض معركة العقيدة بالحجة العقلية أولاً، ثم بالصمود أمام التعذيب بالنار، ثم بالهجرة؛ ليعلم المبتلون في مكة أبعاد التجربة الإبراهيمية.
التناسب التركيبي الداخلي:
الجمع بين الأمر الإيجابي بالعبادة {اعْبُدُوا اللَّهَ} والأمر الوقائي بالحذر والتقوى {وَاتَّقُوهُ}، ثم ترغيبهم بمنطق المصلحة المحققة {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}، وتذييلها باستثارة العقل والعلم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحكيم المصلحة الحقيقية في التوحيد:
يرد إبراهيم عليه السلام على تصور المشركين بأن ترك آلهتهم خسارة وضياع لمصالحهم وتجاراتهم؛ فيبين أن الخيرية المطلقة هي في طاعة الخالق الرزاق؛ فالتوحيد يحرر العقل من الخرافة، ويحرر الإرادة من الخضوع للأصنام والكهان، ويضمن السعادة الأبدية، فكل خير في الوجود منبثق من التوحيد، وكل شر ناشئ من الشرك.
اسم الإشارة {ذَٰلِكُمْ}: للتعظيم والتنبيه على علو شأن ما دُعوا إليه من التوحيد والتقوى.
الشرط في {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}: حذف جواب الشرط يفتح النفس على آفاق واسعة من التقدير والتدبر، مع التعريض بجهلهم المطبق إن استمروا على عبادة الأوثان.
الظلال التدبرية والإشارية:
الداعية الحكيم يخاطب عقول الناس ومصالحهم؛ لا يكتفي بالأمر المجرد، بل يبين لهم أن الدين جاء لخيرهم ونفعهم، وأن الخروج عنه انتكاسة للمصالح الإنسانية الحقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
ابتداء الدعوة بالتوحيد الخالص؛ فهو أول الواجبات وأعظم المطالب، فلا إصلاح في مجتمع تقوم عقائده على الشرك والخرافة.
الآثار التربوية والوجدانية:
إفراد الله بالعبادة والمحبة والخوف والرجاء.
ملازمة التقوى في كل خطوة وموقف طلباً للخير الأوفى عند الله.