البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 398)مصدر غير محدد١٨/٣٩٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "تخبر الملائكة لوطاً بحقيقة العقوبة التي ستحل بقومه في الصباح: إنا موقعون ومنزلون على أهل هذه القرية الفاسقة عذاباً شديداً ورجزاً مقضياً من السماء (وهي حجارة السجيل المنضود والكبريت المحرق بعد قلب ديارهم عاليها سافلها)، {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}: أي بسبب خروجهم المستمر عن أمر الله وتمردهم على الفطرة واعتيادهم الفجور".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 275)مصدر غير محدد٦/٢٧٥: "الرجز هو العذاب المؤلم المفسد، وقد أمطر الله عليهم حجارة من سجيل مسومة عند ربك للمسرفين، جزاء فسقهم وعتوهم".
وقرأ ابن عامر {مُنزِلُونَ} بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد للتكثير والتفخيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
رِجْزًا: العذاب البالغ أقصى الشدة والاضطراب والقلق، وأصله من الرجز وهو الاضطراب والارتعاد.
يَفْسُقُونَ: الفسق هو الخروج عن طاعة الله وعن حدود الفطرة والشرع، مأخوذ من قول العرب: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
إِنَّا مُنزِلُونَ: إن واسمها، "منزلون" خبرها مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ: متعلقان بمنزلون، واسم إشارة مضاف إليه والقرية بدل.
رِجْزًا: مفعول به لاسم الفاعل منزلون منصوب بالفتحة.
مِّنَ السَّمَاءِ: متعلقان بمحذوف نعت لرجزاً لبيان علو مصدر العذاب وأنه لا مفر منه.
بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ: الباء سببية، "ما" مصدرية، وجملة كانوا صلتها، والواو اسمها وجملة يفسقون خبرها، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بمنزلون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تحديد نوعية الحكم القضائي الإلهي المنفذ؛ فبعد تطمين لوط بالنجاة، أوضحت الملائكة طبيعة الإهلاك ونوعيته: عذاب سماوي صاعق لا قدرة لأهل الأرض على رده، وبيان علته الأخلاقية والسلوكية.
التناسب التركيبي الداخلي:
التعبير باسم الفاعل {مُنزِلُونَ} لتحقيق الوقوع وقرب وقته، وتقييد الرجز بكونه {مِّنَ السَّمَاءِ} لقطع أي توهم لتدخل بشري أو مقاومة أرضية، وختامها ببيان العدالة الجزائية بـ "باء السببية" {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة إنزال العذاب من السماء:
لماذا عُذب قوم لوط برجز من السماء وقلب لديارهم؟
التحقيق البلاغي والعقدي: أن جريمتهم كانت انتكاساً ومقلوباً للفطرة السوية، فعوقبوا بنقيض قصدهم: قلبت قريتهم فجعل عاليها سافلها، وأمطروا بحجارة من السماء كأن الطبيعة الكونية كلها ترميهم باللعنة والغضب لقبح ما ارتكبوه من تدنيس للأرض؛ فالجزاء من جنس العمل.
التنكير في {رِجْزًا}: للتهويل والتعظيم؛ أي عذاباً مروعاً لا تحيط الألسن بوصف شدته ورعبه.
استعمال صيغة الاستمرار {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}: لدلالة كان والمضارع على أن الفسق لم يكن زلة عارضة، بل كان ديدناً مستمراً وسلوكاً متجذراً في حياتهم.
الظلال التدبرية والإشارية:
الفسق إذا استمر واستحكم نزع الأمان ونزل بالرجز؛ فالأمم لا تسقط بضعف اقتصادها وإنما تسقط بفسقها وانهيار أخلاقها وخروجها عن شريعة ربها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
التحذير من مغبة التمادي في الفسق والمجاهرة بالذنوب؛ فإن ذلك يستنزل غضب السماء ورجزها.
الآثار التربوية والوجدانية:
الخوف والوجل من سخط الله والفرار من أسباب الفسق.
الاستقامة على أمر الله شكراً لنعمة السلامة والأمن.