البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 437)مصدر غير محدد١٨/٤٣٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى: الله وحده المنفرد بملك خزائن الأرزاق؛ يوسع الرزق على من يشاء من خلقه بحكمته ومشيئته امتحاناً وابتلاءً، ويضيق الرزق على من يشاء تضييقاً بحكمته ولطفه؛ فليس بسط الرزق لكرامة العبد، ولا تضييقه لهوانه عليه، بل الأمر بمشيئة الله العليم بما يصلح عباده؛ {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: عليم بمن يصلحه الغنى وبمن يفسده الغنى، وعليم بمن يصلحه الفقر وبمن يفسده الفقر، فيدبر الأمور على وفق علمه التام".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 288)مصدر غير محدد٦/٢٨٨: "هذا تقرير لانفراده سبحانه بالرزق وتدبير المعايش؛ فالمشيئة والحكمة في البسط والتضييق له وحده، وهو العليم بمصالح خلقه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
يَبْسُطُ: يوسع وينشر ويفيض بالعطاء الوافر.
يَقْدِرُ: يضيّق ويقتر بمقدار محدود تقتضيه المصلحة، ومنه قدر عليه رزقه.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
اللَّهُ: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
يَبْسُطُ الرِّزْقَ: مضارع ومفعوله، والفاعل مستتر، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
وَيَقْدِرُ لَهُ: معطوف على يبسط، مضارع وفاعله مستتر، و"له" متعلقان بيقدر (والضمير يعود على من يشاء المذكور أو على من يشاء آخر، أو للشخص الواحد يبسط له تارة ويقدر عليه تارة).
إِنَّ اللَّهَ: إن واسمها.
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: متعلقان بعليم، و"عليم" خبر إن مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الامتداد النظمي لحقيقة الرزق؛ فبعد أن أثبت خلقه للسماوات والأرض وتسخير الشمس والقمر، بين هنا تصرفه في أرزاق العباد بين البسط والقبض، ليعلم المهاجر والصابر أن سعة الرزق وضيقه ليست بيد الأهل ولا بأيدي المشركين في مكة، بل هي تدبير رباني قائم على العلم والحكمة.
التناسب التركيبي الداخلي:
الطباق البديع بين {يَبْسُطُ} و{يَقْدِرُ} لبيان شمول القدرة الإلهية وتصريف الأحوال، وختامها بالجملة الاسمية المؤكدة {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لبيان أن توزيع الأرزاق صادر عن علم مطلق بكل تفاصيل الوجود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التفاوت في الأرزاق بين البشر:
تكشف الآية سر التباين الاقتصادي بين الناس؛ فلماذا يبسط لهذا ويقدر على ذاك؟
التحقيق القرآني: أن التفاوت سنة كونية قائمة على الابتلاء والامتحان والتكامل؛ فلو بسط الله الرزق للجميع لبغوا في الأرض ولتعطلت مصالح العمران والخدمات؛ ولو ضيق على الجميع لهلكوا؛ والله بحكمته وعلمه بطبائع النفوس يعطي ما يصلح دين العبد ودنياه، فالبسط ابتلاء للشكر، والقدر ابتلاء للصبر.
الطباق المقابل: بين البسط والقدر، لتقرير طلاقة الإرادة الإلهية في تدبير شؤون العباد.
العموم التام في {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: لتطمين القلوب بأن قسمة الأرزاق لم تقع جزافاً بل بميزان عليم بكل ذرة وخاطرة.
الظلال التدبرية والإشارية:
إذا علمت أن الله عليم بحالك، اطمأن قلبك لقسمته؛ فكم من فقر حماك من الطغيان، وكم من سعة كانت خيراً للمنفقين، فالرضا بما قسم الله هو عين الغنى وراحة البال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تربية المجتمع على الرضا بقسمة الله في الأرزاق والمواهب مع الأخذ بأسباب الكسب المشروع، ومحاربة الحسد والبغي المالي.
الآثار التربوية والوجدانية:
سلامة الصدر من الغل والحسد لأهل النعم؛ فالقاسم هو الله العليم.
اللجوء إلى الله وحده عند الضيق والفاقة بالدعاء والافتقار.