البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 410)مصدر غير محدد١٨/٤١٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول تعالى: إن الله جل ثناؤه يعلم كل ما يعبده هؤلاء المشركون من دونه، من حجر أو شجر أو صنم أو إنس أو جن أو ملك، ويعلم حقارته وتفاهته وعجزه التام عن إدراك شيء أو نفع أحد، لا يخفى عليه من شركهم وأهوائهم خافية، وسيجازيهم على ذلك بالعدل، {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: العزيز المنيع في انتقامه من أعدائه المكذبين، الحكيم في تدبير خلقه وإمهاله للظالمين وضرب الأمثال للناس".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 279)مصدر غير محدد٦/٢٧٩: "هذا تهديد شديد ووعيد أكيد للمشركين؛ بأنه تعالى عليم بأعمالهم وأندادهم، وأنه قادر عليهم حكيم في أفعاله".
وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية {مَا تَدْعُونَ} بالتاء على الخطاب، وقرأ الباقون {مَا يَدْعُونَ} بالياء على الغيبة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
يَدْعُونَ: الدعاء هنا بمعنى العبادة والاستغاثة وصرف الرجاء والخوف؛ فكل عابد داعٍ.
شَيْءٍ: نكرة استغراقية تدل على أدنى موجود وحقارة المعبودات من دون الله.
الْعَزِيزُ: الغالب القاهر الذي لا يمتنع عليه مطلوب.
الْحَكِيمُ: المتقن لأفعاله وأقداره وشرائعه.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
إِنَّ اللَّهَ: إن واسمها منصوب.
يَعْلَمُ: مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر إن.
مَا يَدْعُونَ: "ما" اسم موصول مفعول به ليعلم، أو استفهامية، أو نافية (أي لا يدعون من دونه شيئاً حقيقياً يستحق العبادة)، وجملة يدعون صلة الموصول.
مِن دُونِهِ: متعلقان بمحذوف حال.
مِن شَيْءٍ: "من" بيانية أو زائدة لتأكيد الاستغراق والتقليل، و"شيء" تمييز أو مفعول به ثانٍ مجرور لفظاً منصوب محلاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
التعقيب والتحقيق بعد ضرب مثل العنكبوت؛ فبعد أن بين تفاهة معبوداتهم شبهها ببيت العنكبوت، أخبر هنا أن هذا التشبيه إنما صدر عن علم إلهي محيط بحقائق هذه الأصنام وعجزها، وأن الله يعلم كل ذرة يشركون بها، مقترناً بصفة العزة والحكمة لبيان أنه قادر على سحقهم ولكنه يؤخرهم لحكمة بالغة.
التناسب التركيبي الداخلي:
تأكيد العلم بـ "إنّ" واستغراق المعبودات بـ {مِن شَيْءٍ}، ثم تتويج الآية بالصفتين الجليلتين المقترنتين: {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ فالعزة تمنع الهروب، والحكمة تضع الجزاء في موضعه اللائق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق معنى "نفي الشيء" عن المعبودات:
إذا فُسرت "ما" نافية: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ}، كان المعنى: إن الله يعلم أنهم لا يدعون من دونه شيئاً يستحق أن يسمى إلهاً أو يملك نفعاً؛ فالأوثان في ميزان الحقيقة والوجود الإلهي "لا شيء"، بل هي أوهام محضة وأسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.
التنكير في {شَيْءٍ} المقترن بـ "من": للتقليل والتحقير الشديد؛ أي يعلم تفاهة ما يدعونه وأنه أحقر من أن يُلتفت إليه أو يُرجى منه أدنى نفع.
تعريف الخبرين بـ "أل" {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: لإفادة حصر العزة التامة والحكمة البالغة في الله وحده سبحانه وتعالى.
الظلال التدبرية والإشارية:
علم الله المحيط هو الحصن الذي يسكن إليه المؤمن؛ حين يعلم العبد أن ربه يرى مؤامرات المبطلين، ويعلم تفاهة أصنامهم المادية والإعلامية، يمتلئ قلبه ثقة بأن العزة لله جميعاً وأن العاقبة للمتقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تذكير الناس برقابة الله وإحاطته بالنيات والأعمال؛ فالدعوة تربط القلوب بعلم الله وقهره وحكمته.
الآثار التربوية والوجدانية:
تعظيم الله وإجلال مقامه بالبراءة من كل شرك خفي أو جلي.
الطمأنينة لحكمة الله في تأخير النصر أو إمهال الظالمين.