البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 405)مصدر غير محدد١٨/٤٠٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى: واذكر يا محمد كذلك إهلاكنا لقارون صاحب الكنوز والأموال الباغية، وفرعون طاغية مصر صاحب الملك والجبروت، وهامان وزيره وظهيره في البغي والتضليل، {وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ}: أي بالمعجزات القاطعة والحجج الساطعة (كالعصا واليد البيضاء وفلق البحر والآيات التسع)، {فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ}: تعظموا وتجبروا ورفضوا الانقياد للحق استعلاءً بملكهم ومالهم، {وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ}: أي وما كانوا ليعجزوا الله أو يفوتوه ويهربوا من قبضته وسلطانه، بل أدركهم قضاؤه فخسف بقارون، وأغرق فرعون وهامان وجنودهما".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 278)مصدر غير محدد٦/٢٧٨: "جمع الله بين هؤلاء الرؤوس الثلاثة الذين مثلوا أركان الباطل: طاغية السلطة (فرعون)، ومهندس التضليل والسياسة الفاسدة (هامان)، ورأس الرأسمالية الاحتكارية الجشعة (قارون)؛ فأهلكهم جميعاً وما استطاعوا الإفلات من عقاب الله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ: الواو حالية، "ما" نافية، كان واسمها، و"سابقين" خبر كان منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الربط العضوي الخارق مع السورة السابقة (سورة القصص)؛ ففي سورة القصص تم تفصيل قصة فرعون وهامان، وتفصيل قصة قارون وخسف داره في مطالعها وأواخرها، وجاءت هنا سورة العنكبوت لتجمع هذه الرؤوس الثلاثة في نسق واحد محكم، لتبين للمؤمنين أن التحالف بين طغيان الحكم السياسي وطغيان المال وسدنة التضليل هو حلف هش ساقط لا يسبق قدر الله ولا يفلت من قبضة انتقامه.
التناسب التركيبي الداخلي:
تصدير أسمائهم بالواو العاطفة في موكب واحد {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ}، ومواجهتهم بالبينات {وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ}، ثم تسجيل علة هلاكهم الكبرى: الاستكبار في الأرض، وختامها بنفي قدرتهم على الإعجاز {وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط قلاع التحالف الطاغوتي:
تكشف الآية وهم القوة الذي تركن إليه الأنظمة الظالمة؛ فرعون بجيوشه وهامان بدهائه وإعلامه وقارون بخزائنه التي تنوء بها العصبة أولو القوة، لم يستطع واحد منهم أن يسبق قضاء الله بذرة، ولم تحمِ الأموال قارون من الخسف، ولم تنفع الجيوش فرعون من الغرق، فلماذا يخاف المؤمنون من طغاة كل عصر وهم يرون مصارع هؤلاء الرؤوس العظام؟
البدء بقارون: قدم قارون هنا لمناسبة سياق سورة العنكبوت التي افتتحت بفتن المال والابتلاء بالدنيا {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}، ولأن قارون كان من قوم موسى فكان كفره خيانة داخلية.
الاستعارة في {وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ}: استعارة تمثيلية لخيول السباق؛ أي لم يكونوا بالذين يسبقون طالبهم فيفوتونه، بل كان الطالب لهم هو قضاء الله الذي لا يفوته شيء.
الظلال التدبرية والإشارية:
مهما تحالفت قوى المال والإعلام والبطش السياسي ضد دعوة التوحيد، فإن مصير هذا الحلف إلى الزوال والاندحار؛ فالاستكبار في الأرض نبتة مسمومة تستجلب غضب السماء وسحق الجبابرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
المفاصلة التامة مع مثلث الطغيان (الاستبداد السياسي، الفساد المالي، التضليل الفكري)، والاستعلاء بالإيمان أمام مظاهر قوتهم الزائلة.
الآثار التربوية والوجدانية:
تطهير القلب من الكبر والاستعلاء في الأرض.
اليقين المطلق بأن الباطل مهزوم مهما بلغت تحالفاته وحصونه.